لم تعد الاعتداءات الجنسية المبلّغ عنها في المدارس الحكومية بباريس حالات معزولة، بل تحوّلت إلى أزمة رقابية تطاول آليات توظيف المشرفين على الأطفال ومراقبتهم والتعامل مع الشكاوى، بعدما كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" عن عشرات التحقيقات والاتهامات، وإقرار مسؤولين في العاصمة الفرنسية بوجود إخفاقات سمحت باستمرار الخلل لسنوات. وبحسب الصحيفة، كان مدّعو باريس يحققون، بحلول تشرين الأول، في 179 ادعاء باعتداءات جنسية داخل مدارس العاصمة. كذلك، أوقفت السلطات منذ كانون الثاني ما لا يقل عن 74 مشرفًا من أصل 14,400 يعملون في الأنشطة المدرسية خارج الصفوف، بعد اتهامهم بارتكاب اعتداءات جنسية. ولا تشمل هذه الأرقام المعلمين، بل العاملين المكلفين بالإشراف على الأطفال خلال فترات الغداء والاستراحة، وأنشطة ما بعد الدوام والرعاية النهارية. ولم يُحَل معظم الموقوفين عن العمل إلى المحاكمة حتى الآن، فيما أُدين اثنان منهم بالاعتداء الجنسي على أطفال. وسلّط تحقيق "نيويورك تايمز" الضوء على مدرسة "سان دومينيك" في وسط باريس، حيث تقدّم والد طفلة تبلغ 3 سنوات بشكوى إلى الشرطة، بعدما أخبرته ابنته بأن أحد العاملين في المدرسة اعتدى عليها جنسيًا داخل الحمام. لكن القضية لم تبقَ محصورة بهذه الشكوى، إذ تبيّن لاحقًا أن عشرات أولياء الأمور في 3 مدارس بالمنطقة نفسها قدّموا اتهامات مشابهة بحق عاملين فيها، ما دفع الشرطة إلى فتح تحقيق موسّع واستجواب 44 طفلًا. وفي أيار، أفضت التحقيقات إلى توقيف 16 موظفًا من العاملين الحاليين والسابقين في المدارس، واحتجاز اثنين منهم للاشتباه في ارتكابهما جرائم جنسية، أحدهما العامل المتهم بالاعتداء على الطفلة. وأدى اتساع نطاق الاتهامات إلى تسليط الضوء على ثغرات في التدقيق في خلفيات الموظفين ومراقبة سلوكهم، وهي إخفاقات أقرت سلطات باريس بوجودها، وفق الصحيفة. وتعود إحدى المشكلات الأساسية، بحسب التحقيق، إلى طبيعة نظام الإشراف على الأطفال في المدارس الفرنسية. فالمعلمون في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية لا يتولون عادةً الإشراف على التلامذة خلال الغداء والاستراحة وساعات ما بعد الدراسة، إذ تُسند هذه المهام إلى عاملين تعيّنهم البلديات. وتواجه السلطات صعوبات في استقطاب أشخاص مؤهلين لشغل هذه الوظائف الجزئية، إذ يبلغ دخل المشرفين نحو 870 دولارًا شهريًا، فيما تجعل ساعات العمل المتقطعة الجمع بينها وبين وظيفة أخرى أمرًا صعبًا. ونتيجة لذلك، تلجأ السلطات أحيانًا إلى توظيف عمال مؤقتين في اللحظات الأخيرة، من دون تدريب كافٍ أو تدقيق شامل في خلفياتهم، وفق ما ورد في تقرير برلماني نُشر في تشرين الأول. وفي باريس، يشكّل الموظفون المؤقتون نحو ثلاثة أرباع العاملين البالغ عددهم 14,400 في أنشطة ما بعد المدرسة، فيما يفتقر كثيرون منهم إلى مؤهلات متخصصة أو خبرة كافية في هذا المجال، ما يثير تساؤلات بشأن معايير التوظيف ومستوى الرقابة المفروض على من يتولون رعاية الأطفال. ولا تبدو هذه الثغرات جديدة بالكامل. ففي عام 2015، رصد تقرير أُعد بتكليف من عمدة باريس آنذاك، آن هيدالغو، 18 حالة اعتداء جنسي خلال عام واحد في مدارس العاصمة، كان معظمها مرتبطًا بعاملين مؤقتين. وأشار التقرير حينها إلى غياب إجراءات واضحة للتعامل مع هذه الحالات، وطرح 50 توصية لتحسين آليات الحماية والرقابة. إلا أن "نيويورك تايمز" أفادت بأن تنفيذ التوصيات استغرق أكثر من عقد. ومع تزايد شكاوى أولياء الأمور في عدد من المدارس، أعلنت سلطات باريس في تشرين الثاني الماضي إجراءات جديدة لتحسين آليات تعيين المشرفين وتدريبهم، إلى جانب تعزيز التحقيق في الشكاوى المقدّمة بحقهم. غير أن اتساع التحقيقات الحالية أعاد طرح السؤال بشأن مدى فاعلية الإجراءات السابقة، وأسباب عدم معالجة أوجه الخلل بصورة أسرع، رغم التحذيرات التي صدرت قبل سنوات. وفي تطور يزيد الضغط على السلطات المحلية، يحقق مدّعو باريس أيضًا في اتهامات بالإهمال بحق مسؤولين في المدينة، من بينهم رئيس البلدية إيمانويل غريغوار وسلفته آن هيدالغو. وخلال جلسة استماع برلمانية في أيلول، أعرب هيدالغو وغريغوار عن أسفهما لما تعرض له الضحايا، وأقرا بوجود ما وصفاه بـ"الإخفاق الجماعي" للسلطات في منع أشخاص متهمين بجرائم جنسية من العمل في المدارس. كما أقر غريغوار بوجود قصور في طريقة تعامل المدينة مع بلاغات الاعتداء، لكنه نفى محاولة السلطات التستر على أي حالات. وأكد مكتبه أن العمل جارٍ على تنفيذ "إصلاح عميق" لمنع تكرار هذه الوقائع. وبذلك، لم تعد القضية تقتصر على الموظفين المشتبه فيهم، بل امتدت إلى مسؤولية المؤسسات عن آليات التوظيف والرقابة والاستجابة للبلاغات، ومدى قدرتها على حماية الأطفال قبل وقوع الاعتداءات. وتأتي هذه القضية في سياق نقاش أوسع في فرنسا حول الاعتداءات الجنسية على الأط