كلما تراجعت قدرات إيران الاقتصادية والعسكرية، ازدادت المخاوف من أن تلجأ إلى أدوات أكثر خطورة لخلط الأوراق ورفع كلفة أي مواجهة معها. فبين التهديدات الأميركية، والردود الإيرانية، وإعادة تحصين المنشآت النووية واستعادة القدرات الصاروخية، تتجه طهران نحو استراتيجية لا تقوم على التفوق العسكري التقليدي بقدر ما تعتمد على نشر الفوضى وتعطيل المصالح الحيوية لخصومها، من مضيق هرمز إلى باب المندب، وصولاً إلى مراكز البيانات وكابلات الاتصالات والبنى التحتية الرقمية. وبحسب مقال للأستاذ أوزي رابي في موقع "واللا" الإسرائيلي، فإن التقارير الواردة خلال الأيام الأخيرة تشير إلى أن طهران تعزز دفاعاتها حول منشآتها النووية، وتعمل على ترميم قدراتها الباليستية، وتهيّئ الرأي العام لاحتمال استئناف الحرب، في وقت توحي فيه بأنها لن تكتفي بردّ محدود إذا تعرضت لهجوم أميركي أو إسرائيلي. ويشير رابي إلى أن إيران تتصرف كما لو أن السؤال لم يعد ما إذا كانت المواجهة المقبلة ستقع، بل متى ستقع، وربما أيضاً من سيشنّها: الولايات المتحدة وحدها، أو إسرائيل وحدها، أم الاثنتان معاً. وهنا تكمن المفارقة الإيرانية، بحسب الكاتب: فإيران أصبحت أضعف وأفقر وأكثر إنهاكاً وعزلة، لكنها تزداد خطورة بسبب انتقالها من أدوات القوة التقليدية إلى أدوات قادرة على إحداث الفوضى. فهي لا تملك ما يكفي من النفط لتحقيق الاستقرار لاقتصادها، لكنها تمتلك القدرة على تعطيل تجارة النفط لدى الآخرين. وتعاني صعوبة استعادة ثقة مواطنيها في الداخل، لكنها تعمل في الوقت نفسه على رفع منسوب القلق في الخليج. ورغم العقوبات والنقص والتضخم، لا تزال طهران تمتلك شبكة من الميليشيات والصواريخ والطائرات المسيّرة ونقاط الضغط البحرية، وهي أدوات تمنحها القدرة على تهديد خصومها حتى في ظل تراجع إمكاناتها التقليدية. ولذلك، لا يقتصر التهديد الإيراني الجديد على استهداف القواعد الأميركية، بل يمتد إلى ما يصفه رابي بـ"الخليج الرقمي". فمحسن رضائي، أحد أبرز الشخصيات الأمنية القديمة في النظام الإيراني، وسّع قاموس التهديدات ليشمل البنية التحتية التكنولوجية لدول الخليج، في إشارة إلى أن الخليج في عام 2026 لم يعد مجرد مساحة لتجارة النفط، بل أصبح أيضاً فضاءً للبيانات، يضم كابلات الاتصالات ومراكز البيانات والبنى التحتية للحوسبة السحابية والقطاع المالي الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي. وعندما يهدد رضائي كابلات الاتصالات ومراكز البيانات والبنى التكنولوجية في الإمارات، فهو، وفق قراءة الكاتب، يوجّه رسالة إلى دول الخليج مفادها أن ما يقع تحت التهديد لا يقتصر على ماضيها المتمثل بالنفط، بل يشمل مستقبلها أيضاً. وبالتوازي، تمارس إيران ضغطاً محسوباً في مضيق هرمز، في تحول أساسي في طريقة استخدامها لأوراق القوة. فطهران لم تعد تصدّر النفط بكميات تمنحها النفوذ الذي امتلكته في السابق، وأصبح نفطها أقل قيمة كورقة اقتصادية، وأكثر ارتباطاً بما خسرته من قدرات. ومن هنا، تنتقل إيران من استخدام إمدادات النفط وسيلةً للضغط إلى تعطيل تدفق النفط لدى الآخرين. فإذا لم تستطع ضخ نفطها في الأسواق وفق شروطها، يمكنها إرباك حركة النفط العالمية، وإذا عجزت عن بناء استقرار اقتصادي داخلي، تستطيع رفع كلفة عدم الاستقرار على خصومها. ويصف رابي هذا التحول بأنه انتقال من النفط بوصفه مورداً إلى النفط بوصفه سلاحاً للتعطيل. فطهران لا تعلن إغلاق مضيق هرمز بصورة دراماتيكية، لأن الإغلاق الكامل قد يستدعي هجوماً أميركياً واسعاً. وبدلاً من ذلك، تعتمد على تقويض الثقة بأمن الملاحة البحرية، من خلال عمليات مراقبة إضافية، ومضايقات متكررة، وإشعار السفن بأنها مهددة، ورفع تكاليف التأمين البحري، ودفع ناقلات النفط إلى تغيير مساراتها. وهذه، بحسب المقال، ليست حرباً شاملة، بل استراتيجية اقتصادية هدفها زرع الخوف ورفع كلفة المخاطر على خصوم إيران. لكن مضيق هرمز لا يمثل سوى نصف المشهد، فيما يقع النصف الآخر في باب المندب. فهناك، أنشأ الحوثيون، الذين يصفهم الكاتب بأنهم حلفاء لطهران، نقطة ضغط ثانية في جنوب البحر الأحمر، وتحديداً في المنطقة التي تسعى السعودية ودول الخليج إلى تحويل جزء من مسارات الطاقة إليها عندما تتعرض الملاحة في مضيق هرمز للتهديد. وإذا كان مضيق هرمز بوابة خروج النفط من الخليج، فإن باب المندب يشكل بوابة العبور نحو البحر الأحمر وقناة السويس وأوروبا. ويرى رابي أن إيران تسعى، من خلال هذا الواقع، إلى تطبيق استراتيجية كماشة، تضغط فيها بنفسها من الشمال الشرقي، فيما يمارس الحوثيون الضغط من الجنوب الغربي، لتجد السعودية نفسها بين مضيقين مهددين. وفي هذا السياق، يعتبر الكاتب أن ضعف إيران لا يشكل بالضرورة عاملاً رادعاً لها، بل قد يدفعها إلى الاقتراب أكثر من حافة الفوضى. فطهران لا تستطيع الانتصار على ا