من الخسائر الزراعية الجسيمة التي مُني بها سكان جنوب لبنان ومزارعوه، قطاع النحل الذي كان يشكل مصدر عيش آلاف العائلات التي سعت إلى حماية هذا القطاع وطورته على مدى 5 عقود وأكثر. لم توفر الحرب الأخيرة التي اندلعت في جنوب لبنان منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في أعقاب مواجهات "إسناد غزة" التي خاضها مقاتلو "حزب الله" ضد الجيش الإسرائيلي، ثم تطورت إلى حروب تدميرية تكاد تبلغ سنوات ثلاثاً من استمرارها عنيفة أو متقطعة، البشر والحجر والنبات والأشجار والحيوانات، ومحت عشرات القرى عن بكرة أبيها، وبخاصة في الحافة الأمامية من الحدود، وأدت في ما أدت إليه إلى فقدان آلاف العائلات بيوتها وممتلكاتها ومصادر رزقها على مختلف المستويات. أصابت الحرب قطاع الزراعة ومشتقاته في الصميم، وهو يشكل مصدراً أساساً لعيش معظم سكان الجنوب، ممن يرتبطون بأرضهم لأجل الاستثمار فيها ومن زرعها وثمرها وحيواناتها وأحراجها، وأتى الاحتلال الإسرائيلي المباشر لأكثر من 50 قرية وبلدة ومدينة، فضلاً عن تدمير منهجي لعمارتها ومؤسساتها الرسمية والتربوية والإنتاجية، والذي بلغ نحو 100 في المئة بعد تهجير جميع سكانها، ليحرم أكثر من 100 ألف مواطن من السكن والإنتاج والارتزاق، ويدمر منظومة زراعية نشأت عليها هذه المنطقة منذ عقود طويلة وتطورت بما يتلاءم مع مسلك عيش الناس وانسجام حياتهم وإنتاجهم. وكانت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، بالتعاون مع وزارة الزراعة والمجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS)، أطلقت تقييماً للأضرار والخسائر ضمن إطار تأثير حالات الطوارئ والأزمات على المزارعين، خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. ويكشف التقييم عن أن "القطاع الزراعي في لبنان تكبد أضراراً كبيرة تقدر بنحو 118 مليون دولار أميركي، في حين تقدر الخسائر بنحو 586 مليون دولار". وتتركز المناطق الأكثر تضرراً في جنوب لبنان وسهل البقاع حيث تأثرت مختلف القطاعات الزراعية، بما في ذلك المحاصيل، والثروة الحيوانية، والغابات، ومصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية. وبحسب منظمة "الفاو"، "تبلغ حاجات القطاع الزراعي نحو 263 مليون دولار أميركي لإعادة الإعمار والتعافي، منها 95 مليون دولار حددت كأولوية للفترة 2025- 2026". قطاع النحل كان يشكل مصدر عيش آلاف العائلات جنوب لبنان (كامل جابر - اندبندنت عربية) من الخسائر الزراعية الجسيمة التي مُني بها سكان الجنوب ومزارعوه، قطاع النحل الذي كان يشكل مصدر عيش آلاف العائلات التي سعت إلى حماية هذا القطاع وطورته على مدى خمسة عقود وأكثر كي يسهم في إنتاج عسل طبيعي مميز، بعدما شكلت طبيعة الجنوب موئلاً بيئياً ناجعاً لتربية النحل بسبب غناها بالأشجار البرية والمثمرة وانتشار الزراعات الموسمية والدائمة فيها، التي تجذب النحل، لا سيما في مواسم الربيع وإزهار الشجر والنبات ليتجاوز عدد الخلايا المنتجة في مختلف أقضية الجنوب 100 ألف خلية. وقطاع النحل الذي فقد بسبب هذه الحرب، وبخاصة بين حربي 2024 و2026، 84 نحالاً منتجاً سقطوا خلال القصف والغارات أو الاستهداف الإسرائيلي المباشر، وقد قتل عديد منهم في حقولهم بينما كانوا يهتمون بمناحلهم ويسعون إلى إنقاذها من شر الحرب، خسر أيضاً نحو 80 في المئة من هذه الثروة في المنطقة الجنوبية الحدودية التي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي "المنطقة الصفراء"، ونحو 50 في المئة على مستوى أقضية الجنوب التي تأثرت في هذه الحروب بعدما تسببت في انسداد المدى الطبيعي أمام نقل النحل بين الجبل والساحل والوسط مما أدى إلى تراجع إنتاج العسل بالنسبة عينها، وربما أكثر. وانعكست هذه الخسارة على السوق المحلية الجنوبية، وكذلك على السوق الوطنية، إذ ترفد مناحل الجنوب هذه السوق بنحو 30 في المئة من الإنتاج الوطني، ودفعت باتجاه ارتفاع سعر كيلوغرام العسل الجيد بين 35 و40 في المئة. وارتفع سعر كيلو العسل بشهده على سبيل المثال من 17 دولاراً إلى نحو 30 دولاراً، بسبب تراجع الإنتاج بفعل الحرب. لا إحصائية نهائية لخسائر قطاع النحل في جنوب لبنان، لكنها تتفاوت بين منطقة وأخرى، أو قضاء وآخر، وتتركز أكثر الخسائر في قضاء بنت جبيل الذي أتت الحرب على جميع مناحله وبالكامل، وقسم من قضاء صور يمتد من حدود قضاء بنت جبيل في القطاع الوسط إلى ساحل الناقورة في القطاع الغربي، وكذلك في قضاء النبطية شمال نهر الليطاني، وبخاصة في يحمر الشقيف وأرنون وكفرتبنيت وزوطر الشرقية وزوطر الغربية والنبطية الفوقا التي أضحت تحت الاحتلال المباشر أو غير المباشر. ناهيك بتأثير الحرب الأخيرة الشاملة التي بدأت في الثاني من مارس (آذار) الماضي وتوقفت بشكل هش بعد إعلان وقف إطلاق النار في الـ19 من يونيو (حزيران) الماضي، أي إن الحرب استمرت نحو ثلاثة أشهر ونصف الشهر، وكانت كفيلة بتدمير قسم كبير من المناحل أو