يمكن أن يتحول التأخير الإداري والقضائي المرتبط بقضايا الموقوفين السوريين في لبنان إلى سنوات تُقتطع من أعمار أشخاص كان يُفترض أن يكونوا خارج السجن أصلًا، إذ لا تقتصر مشكلة الموقوفين السوريين في لبنان على طول فترات الاحتجاز أو اكتظاظ السجون، بل تكشف بعض الملفات عن خلل أعمق في مسار العدالة نفسها. وبينما تشير معطيات حقوقية وتصريحات لمحامين لبنانيين إلى بطء المحاكمات وتعقيد الإجراءات، تكشف حالات فردية حجم المفارقة بصورة أوضح، فقد نشر المحامي اللبناني محمد صبلوح، عبر صفحته على فيسبوك خلال شهر تموز/يوليو 2026، قصتين حدثتا مؤخرًا في لبنان، تعرض خلالهما سوريان للظلم القضائي. في الحالة الأولى، أُوقف المواطن السوري قاسم الوادي في لبنان على خلفية نشرة حمراء صادرة بطلب من القضاء اليوناني، وبقي أكثر من عشرة أشهر في نظارة قصر العدل في بيروت، من دون أن تتمكن السلطات اللبنانية من تسليمه إلى الجهة الطالبة، ونُقل لاحقًا إلى اليونان على نفقة عائلته، حيث لم يحتج القضاء إلى أكثر من شهر ونصف لإصدار حكم ببراءته، فعاد إلى أهله في سوريا، بحسب صبلوح. وفي حالة أخرى، بقي شاب سوري في أحد السجون اللبنانية 24 شهرًا إضافية، رغم صدور قرار بإخلاء سبيله، بسبب عدم تبليغه بالقرار، وظل خلف القضبان عامين كاملين، وكأن قرار خروجه لم يصدر أصلًا، قبل أن يعود إلى عائلته في سوريا في 19 تموز/يوليو 2026، وفق ما أكده المحامي محمد صبلوح لـ”نون بوست”. وفي 29 أيلول/سبتمبر 2025، توفي الفتى السوري مهند محمد الأحمد، البالغ من العمر 14 عامًا، داخل مكان توقيفه في سجن مخصص للفتيان بمنطقة الوروار في بعبدا، شرقي العاصمة بيروت. وبحسب وكالة أنباء الموقوفين السوريين في لبنان “سدنال”، بقي الأحمد موقوفًا لمدة 3 أشهر، من دون أن يتمكن من التواصل مع ذويه طوال هذه الفترة. ونقلت الوكالة عن والد الموقوف القاصر قوله إن ابنه “قُتل على يد آخرين” داخل السجن المخصص لمن هم دون السن القانونية. هذه الوقائع، بصرف النظر عن خصوصية كل ملف، تدفعنا إلى طرح أسئلة حول كيفية إدارة القضاء اللبناني لملفات الموقوفين السوريين، وما إذا كان التأخير في بعض الحالات قد تجاوز حدود التعقيد القضائي المعتاد، ليصبح سببًا بحد ذاته في استمرار سلب حريتهم. فحين يحتاج موقوف إلى أشهر طويلة حتى تتحرك إجراءات تسليمه، أو يقضي عامين إضافيين في السجن رغم صدور قرار بإخلاء سبيله، يصبح الخلل الإجرائي جزءًا من العقوبة نفسها، حتى قبل صدور الحكم القضائي. من المفترض أن يدخل الموقوف منظومة تحكمها سلسلة من الضمانات الواضحة منذ لحظة توقيفه؛ فيعرف سبب توقيفه، ويتمكن من الاتصال بعائلته ومحاميه، ويحصل على حقه في الدفاع، وألا يتحول توقيفه المؤقت إلى إقامة مفتوحة خلف القضبان. لكن الشهادات التي جمعناها ترسم فجوة قاسية بين ما تنص عليه القوانين وما يعيشه الموقوف على أرض الواقع، إذ قال المحامي اللبناني محمد صبلوح لـ”نون بوست” إن المواد 32 و47 و102 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تضع قيودًا واضحة على مدد الاحتجاز والتوقيف، وتكفل للموقوف حق الاتصال بعائلته والاستعانة بمحام، بما يضمن حقوق جميع الموقوفين، لبنانيين وسوريين على حد سواء. ويضيف صبلوح أن غياب الرقابة القضائية على تطبيق هذه النصوص، وعدم محاسبة عناصر الضابطة العدلية عند انتهاك حقوق الموقوفين، يتركان الباب مفتوحًا أمام ما يصفه بالفوضى وغياب العدالة. ويرى المحامي اللبناني نبيل الملحم أن الموقوف السوري يواجه صعوبة إضافية في الوصول إلى الدفاع، فقد يحول وضعه المادي دون توكيل محام، كما أن عدم إلمامه بالقوانين اللبنانية يضعف قدرته على حماية نفسه خلال المسار القضائي. يفقد الموقوف السوري في لبنان، حتى قبل دخوله السجن، شبكة الحماية التي يُفترض أن تحيط بأي شخص يدخل في مسار قضائي، فعائلته قد تكون في سوريا، وإقامته في لبنان غير قانونية، وقد لا تملك أسرته المال لتوكيل محامٍ أو دفع كفالة، فيما يبقى هو غير ملمّ بتفاصيل القانون اللبناني، ولا يعرف إلى من يلجأ أو كيف يتابع ملفه. وقال المحامي محمد صبلوح لـ”نون بوست” إن الإهمال في السجون اللبنانية يطال اللبنانيين والسوريين على حد سواء، لكن عائلة الموقوف اللبناني تكون غالبًا داخل البلاد، فتستطيع السؤال عنه وتوكيل محامٍ له واللجوء إلى نقابة المحامين. في المقابل، تعيش عائلات كثير من الموقوفين السوريين في سوريا، أو تواجه مشكلات في الإقامة داخل لبنان، ما يحول دون قدرتها على السؤال عن أبنائها. وبحسب صبلوح، ينتظر الموقوف السوري أن يتحرك ملفه من تلقاء نفسه، في حين قد يبقى الملف عالقًا لسنوات ما لم يتابعه أحد. وتتجاوز هذه الهشاشة غياب العائلة، إذ يرى المحامي نبيل الملحم أن الوضع المادي المتردي لمعظم السوريين المقيمين في لبنان قد يحول دون توكيل محامٍ أو دفع كفالة،