لم يكن قرار المجلس الدستوري بشأن قانون العفو العام مجرّد محطة قانونية في مسار تشريعي شائك، بل تحوّل إلى اختبار جديد للعلاقة بين القضاء والسياسة، وبين حق الدولة في تطبيق القانون وواجبها في معالجة مظالم تراكمت داخل السجون اللبنانية. وبينما فتح القرار الباب أمام تسريع الإفراج عن حوالي 1000 سجين، أعاد في المقابل طرح أسئلة حساسة حول حدود العفو، ومعايير الاستفادة منه، ومصير المحكومين في قضايا ذات أبعاد أمنية وسياسية وفي مقدمتهم الشيخ أحمد الأسير. ونقطة أخرى لا تقل أهمية السجال الذي أثير في أروقة العدلية حول صلاحيات المجلس الدستوري، بحيث اختلفت الآراء بين حق المجلس الدستوري في قبول الطعن من عدمه وصلاحياته في تفسير بنود أي قانون بالشكل الذي حصل. تتجاوز المسألة، بهذا المعنى، تحديد من سيخرج من السجن ومتى، إذ تتصل بكيفية إدارة ملف طال انتظاره، واختلطت فيه الاعتبارات القضائية بالحسابات السياسية، والحقوق الفردية بالانقسامات اللبنانية، حتى بات العفو العام نفسه موضع نزاع على تفسير العدالة وحدودها. قرار الدستوري والارتدادات السياسية أثار قرار المجلس الدستوري اعتراضًا حادًا لدى "لقاء النواب السنّة"، الذي رأى في مضمونه استمرارًا لما وصفه بسياسات الاستهداف والاستقواء التي تعرّض لها مكوّن أساسي في لبنان على مدى عقود. ولم يخف اللقاء خيبة أمله من المرجعيات التي اعتقد أنها ستدعم مسعاه، واعتبر أن معركة إقرار القانون كانت محاولة لطيّ صفحة سياسية مؤلمة، لا مجرد تمرير نص تشريعي. لكن العبارة الأكثر دلالة في البيان كانت التلويح بأن "مع من طعن، سيكون لنا حساب آخر". فهي تنقل الخلاف من مستوى الاعتراض على اجتهاد دستوري إلى مستوى المواجهة السياسية مع الجهات التي طعنت بالقانون. هنا تكمن المفارقة: يؤكد النواب تمسكهم بمشروع الدولة ودولة المؤسسات، لكنهم يعترضون بشدة على قرار صادر عن إحدى مؤسساتها الدستورية. حذر النائب أشرف ريفي من تداعيات قرار المجلس الدستوري بشأن قانون العفو العام على الشراكة الوطنية والاستقرار، إذ إن مسؤولية المجلس لا تقتصر على حماية الدستور بل تشمل أيضًا عدم الإخلال بالتوازن الطائفي. في حين اعتبر عضو "اللقاء الديمقراطي" النائب بلال عبدالله أن صلاحيات المجلس تتلخص في دستورية القوانين، فإذا بنا نجده يعدل قانون تخفيض العقوبات ويغير مسارات عدة فيه..”. في المقابل، لا يمكن اختزال اعتراض النواب السنّة في رد فعل سياسي فحسب. فملف السجناء، ولا سيما الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان من دون أحكام مبرمة، يثير أسئلة جدية حول العدالة الناجزة والمساواة أمام القانون، وحدود استخدام التوقيف الاحتياطي. وهذه قضايا تستحق معالجة مستقلة عن التجاذب السياسي الذي يحيط بها. في الجانب القانوني، تبرز مسألتان أساسيتان في قرار المجلس الدستوري. الأولى تتصل بتوحيد التاريخ المرجعي للجرائم المشمولة بالعفو، عبر اعتماد الأول من آذار 2026 حدًا زمنيًا، مع مراعاة الاستثناءات التي ينص عليها القانون. والثانية تتعلق بالمحكومين بالإعدام، إذ اعتُمدت مدة 28 سنة سجنية للعقوبة التي أُلغيت بقانون، بدلًا من مدة 17 سنة التي كان يتيحها النص المطعون فيه. يعني ذلك أن المحكومين بالإعدام، والبالغ عددهم 26 شخصًا، لن يستفيدوا من خفض العقوبة مرتين، بما يغيّر بصورة ملموسة حسابات بعض المحكومين ومدّة بقائهم في السجن. لكن الأثر الفعلي للقرار سيختلف بحسب وضع كل سجين وطبيعة الجرم والحكم الصادر بحقه ومدى انطباق الاستثناءات القانونية عليه. في المقابل، تبدو النتائج العملية أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام أو الذين أمضوا سنوات في السجن تتجاوز ما قد تقتضيه أوضاعهم القانونية. وتشير تقديرات قضائية لـِ "المدن" إلى احتمال الإفراج عن أكثر من ألف سجين في المرحلة الأولى خلال نحو أسبوعين مع إعطاء أولوية الإفراج لمن طال توقيفهم من دون صدور أحكام بحقهم. كذلك تواصل النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج مع النيابات العامة والضابطات العدلية لتسريع الإفراج عن الدفعة الأولى في الأسبوعين المقبلين، على أن تكون تعاميم النيابة العامة مراعية لمسألة الموقوفين الذين طالت مدة توقيفهم. كما أن تعليق الإضراب المفتوح عن الطعام الذي بدأه مئات السجناء في سجن رومية وبقية السجون يعكس حجم الترقب داخلها، والأمل بأن تتحول النصوص القانونية إلى نتائج ملموسة. يختصر ملف الشيخ أحمد الأسير جانبًا من التعقيد الذي يحيط بالقانون. فقد أثار قرار المجلس الدستوري مخاوف من أن يؤدي احتساب عقوبة الإعدام بـ28 سنة سجنية إلى حرمانه من الاستفادة من العفو، بعدما سادت تقديرات بأنه قد يصبح مؤهلًا للإفراج خلال عام 2027 المُقبل. لكنّ مصدرًا قضائيًا قلل من مستوى القلق، وكشف أن الحكم الصادر بالإعدام عن المحكمة الع