قبل 10 أيام من الانتخابات الإسرائيلية، تتقدّم مفارقة لافتة إلى واجهة المشهد السياسي: نفتالي بينيت ويائير لبيد يقدّمان عروضاً انتخابية صاخبة ومشحونة بالحماسة، فيما يخوض غادي أيزنكوت حملته بخطابات طويلة ورتيبة، تفتقر إلى الإيقاع السريع والجمل الرنانة. ومع ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى أن أيزنكوت يحافظ على موقع متقدّم، بما يطرح سؤالاً أساسياً: هل تحوّل الملل نفسه إلى سلاح انتخابي؟ وبحسب مقال للصحافي يهودا شليزنغر في موقع "واللا" الإسرائيلي، شهد الأسبوع انتقال السياسيين من المكاتب والاستوديوهات ومقاطع الفيديو المعدّة مسبقاً إلى الميدان، حيث أصبح الاحتكاك المباشر بالناخبين جزءاً أساسياً من المعركة الانتخابية. فقد غادر بنيامين نتنياهو مكتب رئاسة الحكومة وتوجّه إلى أور يهودا وكريات ملاخي وجديرا ومدن أخرى، فيما سافر عوفر فينتر إلى إيلات، وجال بتسلئيل سموتريتش في المستوطنات، وتنقّل أيزنكوت بين الشمال والجنوب، بينما خرج بينيت لمصافحة الناس واحتضانهم واستخدام القطار الخفيف. وتكتسب هذه الجولات أهمية انتخابية واضحة، إذ تتيح للمرشحين مصافحة الناخبين والتقاط الصور واحتضان الناشطين ومحاولة إقناع من لا يزالون مترددين. وفي حزب الليكود، على سبيل المثال، يتركّز الجهد بصورة أساسية على رفع نسبة التصويت لدى القاعدة الانتخابية. لكن للجولات الميدانية قيمة إضافية، بحسب شليزنغر، فهي تتيح رؤية السياسيين من دون فلاتر، ومراقبة لغة أجسادهم وطريقة تفاعلهم مع الجمهور ومستوى الطاقة الذي يمتلكونه، والأهم ملاحظة الفجوة الكبيرة بين الواقع والحملات الانتخابية. ويعتبر الكاتب أن أبرز مفارقات الأسبوع ظهرت في المقارنة بين مشهدين سياسيين مختلفين تماماً: نفتالي بينيت ويائير لبيد من جهة، وغادي أيزنكوت من جهة أخرى. في تل أبيب، وتحديداً في قاعة المسرح بمركز "إكسبو"، قدّم بينيت ولبيد ما يصفه شليزنغر بعرض سياسي متكامل. فكل شيء كان معدّاً بدقة: مجموعة من المشجعين يرتدون ملابس موحّدة، وأعلام وطبول وموسيقى وإضاءة وبرنامج زمني محدّد، بحيث لا يبدو أي تفصيل متروكاً للصدفة. صعد بينيت إلى المنصة أولاً، وهو يعرف تماماً ما يريد قوله، ومتى يتوقف، ومتى يرفع صوته، ومتى ينتظر التصفيق. كان جهاز قراءة النصوص يعمل، والرسائل قصيرة، والجمل حادّة ومباشرة، فيما توالت المواقف بشأن التهرّب من الخدمة العسكرية، والحريديم، والخدمة في الاحتياط، وهي ملفات يتفاعل معها الجمهور بصورة شبه تلقائية. جملة تتبعها التصفيقات، ثم جملة أخرى وتصفيقات جديدة، في مشهد يحصل فيه الحاضرون على ما أتوا لسماعه. وبعد نزول بينيت، صعد لبيد، مستفيداً من سنوات طويلة من الخبرة التلفزيونية والظهور أمام الجمهور وإلقاء الخطابات السياسية. فقد بدا مسيطراً على المنصة والإيقاع والجمل الساخرة، متنقلاً بين الانتقاد الموجّه إلى نتنياهو، والتعليقات على غولدكنوبف ووسائل الإعلام، مع تقديم عبارة لافتة تتبعها موجة جديدة من التصفيق. ويصف الكاتب أداء الرجلين بأنه سريع ومشحون بالحيوية، لكن الذروة جاءت عندما صعدا إلى المنصة معاً. جلس لبيد في موقع المحاور إلى جانب بينيت، وبدأ الميكروفون ينتقل بين الحاضرين، ليتحوّل اللقاء إلى عرض مستقل. تبادل الرجلان التعليقات اللاذعة بأسلوب مهذّب، وضحكا وأكملا جمل بعضهما، وأظهرا انسجاماً بين شخصين يعرفان جيداً كيفية التعامل مع الجمهور. حتى عندما وُجّهت إليهما أسئلة أقل سهولة، بشأن غياب المواجهة السياسية الحادّة، ومطالب بعض الناخبين بخطاب أكثر شراسة، والاتهامات بأنهما يخاطبان المؤيدين لهما فقط، تمكّنا من تقديم إجابات قصيرة وذكية وموجّهة إلى جمهورهما. ويخلص شليزنغر إلى أن بينيت ولبيد يبدوان أشبه بنجمي روك سياسيين، يقدّمان عرضاً محترفاً ومحكماً، يكاد يخلو من اللحظات الميتة، بحيث تمرّ ساعتان من دون أن يشعر الحاضرون بمرورهما. لكن المشهد يتغيّر تماماً عندما يصل الكاتب إلى غادي أيزنكوت. في كيبوتس نيتسر سيرني، كان المشهد مختلفاً: رائحة الحظائر والأبقار في المكان، وقاعة كرة سلة قديمة، وعدد من الأعلام ومنصة متواضعة، من دون إضاءة استثنائية أو فرقة مشجّعين أو طبول أو أجواء توحي بأن نجماً على وشك الدخول. وكان أبرز ما في المشهد، من الناحية الاستعراضية، ظهور رافي غينات، بصوته المعروف، وهو يصرخ: "نامبررررر وانننن، غادي أيزنكوت!". وقف أيزنكوت على المنصة وبدأ خطابه، الذي امتدّ نحو 20 دقيقة طويلة. وتناول خلاله عملية "الجرف الصامد"، و"ضربة البرق"، ويهودا والسامرة، وأحداثاً أمنية، ومبادئ سياسية، وانتقادات لنتنياهو كان قد سمعها الجمهور في اليوم نفسه تقريباً عبر محطات إذاعية عديدة. كان إيقاع حديثه رتيباً، ونبرته بالكاد تتغيّر. لم تكن هناك جمل معدّة للتحوّل إلى مقاطع على "تيك توك"، ولا عبارات خاطفة تشعل القاعة، ولا لحظة ت