لم يعد لبنان يواجه حادثة منفردة، بل سلسلة وقائع تضرب جوهر الدولة في توقيت واحد: نائب يعلن، بكل صراحة، أن شحنة متفجرات ضخمة تعود إلى “المقاومة” ويطالب باستعادتها؛ رجل يُقتاد من منزله في المنصورية إلى سوريا بعملية أمنية نفذتها أجهزة أمنية سورية؛ وسفير أجنبي يناقش مع نواب لبنانيين تعديل قوانين صادرة عن البرلمان اللبناني. هذه ليست تفاصيل عابرة، بل اختبار مباشر لمعنى السيادة. في قضية ضهر البيدر، لم تترك تصريحات النائب حسن فضل الله مجالاً واسعاً للتأويل. فقد أعلن أن السيارة والمواد المضبوطة تعود إلى “المقاومة”، وأن الحزب تواصل مع الأجهزة الأمنية وطالب بالإفراج عن الموقوفين واستعادة السيارة وحمولتها، معتبراً أن المتفجرات مخصصة لمواجهة إسرائيل. وهنا يجب قول الأمور كما هي: حزب الله لم يكتفِ بامتلاك السلاح خارج الدولة، بل انتقل إلى تبنّي شحنة متفجرات كانت تُنقل على طريق عام، ثم تعامل مع القضاء والأجهزة كأنها مطالبة بتسليم ما صادَرته. هذا ليس “حق مقاومة”، بل تحدٍّ مباشر للدولة، واعتراف علني بأن قرار الحرب والسلم، وقرار السلاح والمتفجرات، لا يزال خارج المؤسسات الشرعية. المشكلة ليست في الجهة التي كانت تستهدفها الشحنة، ولا في التبرير السياسي لاستخدامها، بل في السؤال الأساسي: من يملك قرار إدخال مئات الكيلوغرامات من المتفجرات ونقلها على طريق عام؟ وهل يجوز لأي تنظيم، أياً تكن هويته أو شعاراته، أن يعلن ملكية شحنة صادرتها الدولة ثم يطالب بإعادتها، وكأن الأجهزة الرسمية مجرد جهة حفظ مؤقتة؟ وفي هذا السياق، لم يعد توقيف الشخصين اللذين تولّيا عملية نقل شاحنة ضهر البيدر كافياً، بعدما أعلن حزب الله، على لسان النائب حسن فضل الله، أن السيارة وحمولتها تعودان إليه. فالمطلوب لم يعد ملاحقة الناقلين فقط، بل تحديد الجهة التي اتخذت قرار نقل المتفجرات وأعطت الأمر بتنفيذ العملية. وبناءً على ما أعلنه النائب، يصبح حزب الله طرفاً أساسياً في التحقيق، لا جهة سياسية تكتفي بإصدار المواقف. وعلى القضاء أن يستدعي المسؤولين عن القرار، وفي مقدّمهم قيادة الحزب وأمينه العام والمسؤولون الأمنيون المعنيون، وأن يتخذ المقتضى القانوني بحقهم. لا يجوز أن يتحمل السائق أو الناقل وحده مسؤولية قرار اتخذته قيادة سياسية وأمنية، فيما تبقى الجهة التي أعلنت ملكية الشحنة خارج دائرة المساءلة. فالقانون لا يحاسب اليد التي نفذت فقط، بل يبحث أيضاً عن صاحب القرار، ومن أعطى الأمر، ومن موّل، ومن خطط، ومن أمّن الغطاء. وعلى الأجهزة الأمنية والقضائية أن تفتح الملف على مصراعيه، لا أن تقف عند حدود توقيف شخصين أو مصادرة شحنة. وبهذه الطريقة وحدها تستعيد الدولة هيبتها، وتثبت أن الاعتراف السياسي لا يمنح حصانة، وأن حزب الله، كما أي جهة أخرى، يخضع للتحقيق عندما يتعلق الأمر بمتفجرات نُقلت على الأراضي اللبنانية خارج الأطر الشرعية. وحين تعلن جهة حزبية امتلاكها شحنة متفجرات، ثم لا نشهد ردّاً حاسماً من الدولة، يصبح الصمت جزءاً من المشكلة. فالدولة التي لا تقول بوضوح إن السلاح والذخيرة والمتفجرات تخضع للقانون، تترك حدود السيادة معلّقة بين اعتراف حزبي ومطالبات خجولة. أما الواقعة الثانية، فهي أكثر خطورة لأنها تمس حق الدولة في حماية المقيمين على أراضيها. فقد أفادت معلومات “ليبانون ديبايت” بأن علي كيالي، المعروف باسم “معراج أورال”، أُخرج من منزله في المنصورية، بعد تقييد زوجته ونجله، واقتيد إلى خارج لبنان في عملية أمنية تشير المعطيات إلى ضلوع أجهزة سورية فيها. وبعد ساعات، ظهر في سوريا وسط احتفال إعلامي وسياسي بالعملية. ولا حاجة إلى تجميل الصورة أو إغراقها بروايات رمادية. فإذا كانت مجموعة أمنية سورية قد دخلت إلى منزل داخل الأراضي اللبنانية ونفذت عملية خطف، فنحن أمام اعتداء على السيادة اللبنانية، لا أمام توقيف عادي. وإذا كانت الأجهزة اللبنانية تعرف ما جرى وسكتت، فهذه مصيبة. وإذا كانت لا تعرف، فالمصيبة أكبر. وهذه ليست أول مرة يُترك فيها المجال أمام أجهزة سورية للتصرف داخل لبنان. فبعد توقيف اللواء السابق عادل عيسى في السفارة السورية، قرر القضاء اللبناني تسليمه إلى السلطات السورية، في خطوة كرّست انطباعاً بأن لبنان مستعد لتقديم تنازلات واسعة في الملفات الأمنية السورية، من دون أن يشرح للرأي العام حدود التعاون أو يوضح الضمانات التي تحمي السيادة والحقوق. المشكلة ليست في التعاون القضائي مع سوريا، ولا في ملاحقة متهمين بجرائم خطيرة، بل في الفارق بين عملية تسليم تتم بقرار قضائي معلن، وعملية اقتحام وخطف تحصل من داخل لبنان ثم يُحتفل بنتيجتها في دولة أخرى. والدولة التي تسمح بمرور هذا الفارق من دون مساءلة، تفتح الباب أمام تكرار السيناريو مع أي شخص آخر. أما الواقعة الثالثة، فتتصل بالاجتماع الذي عقده السفير الأميركي ميشال عيسى مع