كان لا بدّ في هذه السلسلة من قراءة واضحة تضع النقاط على الحروف في استثناءات العفو، وحدود تخفيض العقوبات، ودلالات قرار المجلس الدستوري على ضوء ملف أحداث عبرا، ولا يكفي صدور قانون عفو عام للقول إن شخصًا بعينه أصبح مشمولًا به، كما لا يكفي استثناء جريمة من العفو للجزم بأن مرتكبها محروم من كل إمكانية لتخفيض العقوبة. وبين هذين الاحتمالين تقع المسألة القانونية التي يثيرها اسم أحمد الأسير في النقاش الدائر حول قانون العفو العام رقم 70/2026، ولا سيما بعد قرار المجلس الدستوري رقم 12 الصادر في 12 تشرين الأول 2026. فالقضية لا تتعلق فقط بشخص ارتبط اسمه بأحداث عبرا الدامية في حزيران 2013، حين وقعت مواجهات مسلحة بين مجموعته والجيش اللبناني وسقط عسكريون شهداء وجرحى. إنها تتصل أيضًا بحدود السلطة التشريعية في منح العفو، وبالفارق بين إسقاط الملاحقة والعقوبة من جهة، وتعديل مدة العقوبة من جهة أخرى، وبما إذا كان من الممكن تطبيق الأحكام الجديدة على ملف لا تزال مرحلته القضائية النهائية بحاجة إلى التحقق. ومن هنا، فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كان قانون العفو «يشمل أحمد الأسير» بإطلاق، بل ما إذا كانت الجرائم التي يُلاحق أو يُحاكم بشأنها تدخل في نطاق العفو، وما إذا كان يمكن أن تنطبق عليه، بصورة مستقلة، أحكام تخفيض العقوبات التي أوردها القانون. ولا يمكن الإجابة عن ذلك بصورة مسؤولة من دون الفصل بين النص التشريعي، والتكييف القانوني للجرائم، والوضع القضائي الفعلي للملف. المادة الثانية: استثناءات لا يجوز تجاوزها بالتأويل حددت المادة الثانية من قانون العفو العام الجرائم التي لا تستفيد منه، وميّزت بين فئات متعددة، من بينها الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، والقتل العمدي أو القصدي، والجرائم الإرهابية المحددة في القانون، عندما تكون مرتكبة بحق المدنيين أو العسكريين وعناصر القوى الأمنية، فضلًا عن جرائم أخرى نص عليها القانون صراحة. وهذه الاستثناءات هي نقطة الانطلاق في أي قراءة قانونية لملف أحداث عبرا. فالعفو العام ليس قاعدة مفتوحة تشمل كل الجرائم السابقة لتاريخ محدد، بل نظام تشريعي يحدد الجرائم المشمولة وتلك التي تبقى خارج نطاقه. وبالتالي، إذا انتهى المسار القضائي إلى تثبيت تكييف جرائم منسوبة إلى أحمد الأسير ضمن الفئات المستثناة، فلا يجوز اعتبارها مشمولة بالعفو لمجرد صدور القانون الجديد. لكن الوصول إلى هذه النتيجة في ملف فردي يقتضي الرجوع إلى الأحكام والقرارات القضائية ذات الصلة، وتحديد المواد القانونية التي تستقر عليها الإدانة، لا الاكتفاء بالوصف العام للقضية أو بخطورة الوقائع المنسوبة إلى المتهم. وهنا ينبغي التمييز بين القرار الاتهامي والحكم القضائي. فالقرار الاتهامي يحدد الأفعال والجرائم التي تُسند إلى المدعى عليه ويتيح إحالة القضية إلى المحاكمة، لكنه لا يُغني عن الحكم الذي يحدد المسؤولية الجزائية وفق ما يثبت أمام المحكمة. كما أن المواد القانونية الواردة في ملف واحد قد تختلف من متهم إلى آخر، حتى عندما تتصل الاتهامات بأحداث مشتركة. وقد وردت في القرار الاتهامي المتعلق بأحداث عبرا مواد من قانون العقوبات، من بينها المادة 549، إلى جانب مواد أخرى تتصل بالتنظيم المسلح والجرائم الأمنية وقانون الأسلحة. غير أن مجرد ورود هذه المواد في القرار الاتهامي لا يكفي، وحده، للجزم بأن جميعها تنطبق على أحمد الأسير في النتيجة القضائية النهائية، أو بأن التكييف سيبقى على حاله بعد استكمال المسار القضائي. لذلك، فإن أي استنتاج بشأن استفادته من العفو يجب أن يبقى مرتبطًا بما يستقر عليه الملف، لا بما يُفترض أنه استقر عليه. من حكم الإعدام إلى إعادة المحاكمة: ضرورة تثبيت الوضع القضائي صدر عن المحكمة العسكرية حكم بالإعدام على أحمد الأسير في أيلول 2017 في قضية أحداث عبرا. لكن الحكم نُقض لاحقًا، وعاد الملف إلى المسار القضائي. وأشارت تقارير منشورة في أيلول 2026 إلى استمرار الإجراءات أمام محكمة التمييز العسكرية وتأجيل جلسة إلى 26 تشرين الثاني 2026. وهذه الوقائع تفرض الحذر عند الاستناد إلى الحكم الصادر عام 2017. فلا يصح التعامل معه باعتباره حكمًا نهائيًا قائمًا بصيغته الأصلية، ولا البناء عليه وحده لتحديد الأثر الذي يمكن أن يرتبه قانون العفو الجديد. والأمر هنا ليس شكليًا. فالقواعد التي تتعلق بتخفيض العقوبات تفترض معرفة العقوبة التي استقرت قضائيًا، وطبيعة الحكم ووضعه الإجرائي، فضلًا عن التكييف النهائي للجرائم. وإذا كان الملف قد عاد إلى المحاكمة بعد نقض حكم سابق، فإن تطبيق قانون لاحق عليه يتطلب التحقق من النتيجة القضائية التي انتهى إليها المسار الجديد. وبالتالي، لا يمكن الجزم في هذه المرحلة بأن وضع أحمد الأسير يطابق وضع محكوم بعقوبة إعدام نهائية استُبدلت لاحقًا بالأشغال الشاقة ال