تحوّل عبور البحر الأحمر وباب المندب إلى مصدر قلق متزايد لأطقم السفن التجارية، مع استمرار الهجمات الحوثية بالصواريخ والمسيّرات، فيما كشف تحقيق لصحيفة "لوموند" الفرنسية عن ارتفاع حالات رفض البحارة الإبحار عبر المنطقة، رغم الحوافز المالية والمرافقة العسكرية لبعض السفن. ووفق التحقيق الذي نشرته الصحيفة الخميس، تصاعدت مخاوف البحارة بعدما نجت سفينة الحاويات الفرنسية الضخمة "شانزليزيه"، التابعة لشركة CMA CGM، من هجوم بمسيّرة أثناء عبورها مضيق باب المندب. وتعود الحادثة إلى ليلة الأول على الثاني من تشرين الأول، عندما كانت السفينة، القادرة على نقل نحو 23 ألف حاوية، تعبر المضيق برفقة الفرقاطة الفرنسية "لانغدوك". وخلال الرحلة، رصدت الفرقاطة مسيّرة تتجه نحو سفينة الحاويات. وأكدت هيئة الأركان الفرنسية لـ"لوموند" أن الفرقاطة استخدمت مدفعها لإسقاط المسيّرة، فيما غيّرت "شانزليزيه" سرعتها ومسارها. وبعد أيام على الحادثة، عقدت الشركة اجتماعًا استثنائيًا مع ممثلي العاملين لمناقشة المخاطر الأمنية. وبحسب نقابة CFDT الفرنسية، أبلغت الإدارة ممثلي البحارة بتزايد حالات رفض عبور المنطقة منذ الهجوم. ونقلت الصحيفة عن ضابط يعمل لدى الشركة قوله إن الجدران المعدنية المحيطة بمقصورات الطاقم لا توفر حماية فعلية أمام الصواريخ، فيما لا تلغي المرافقة العسكرية المخاطر بصورة كاملة. ومنذ آذار 2024، يصنّف منتدى التفاوض الدولي، الذي يضم نقابات البحارة وممثلي شركات الشحن، البحر الأحمر وخليج عدن ضمن المناطق الخطرة المرتبطة بالحرب، ما يتيح للبحارة المشمولين بالترتيبات المعنية رفض الرحلات العابرة للمنطقة والحصول على مزايا إضافية. وبحسب "لوموند"، يتقاضى البحار الذي يوافق على عبور البحر الأحمر علاوة مخاطر تبلغ نحو 1500 يورو، إلا أن بعض أفراد الأطقم يواصلون الرحلات لأسباب مالية أو عائلية، في حين يطالب آخرون بسلوك الطريق البديل حول رأس الرجاء الصالح. لكن الالتفاف حول أفريقيا يزيد مدة الرحلة بين آسيا وأوروبا بنحو 10 أيام على الأقل، ويرفع استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، ما يدفع شركات الشحن إلى محاولة مواصلة استخدام البحر الأحمر وقناة السويس كلما أمكن. وفي المقابل، تواجه المرافقة العسكرية بدورها قيودًا، إذ أفادت "لوموند" بأن مهمة "أسبيدس" الأوروبية لا تضم سوى سفينتين أو ثلاث سفن في بعض الفترات. وتأتي هذه المخاوف في ظل استمرار التهديدات التي تواجه حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، أحد أبرز الممرات المستخدمة في التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا، فيما بات خيار المرور عبر المنطقة أو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح حاضرًا في حسابات شركات الشحن وأطقمها.