في الخامس والعشرين من كانون الثاني عام 1926، وُلد بولس يوسف عنيد في العيشية، البلدة الجنوبية الوادعة في قضاء جزين، من حيث بدأت حكاية رجلٍ ستتوزّع حياته بين الكهنوت والعائلة والتعليم وخدمة الناس. هناك، في أرضٍ ستبقى راسخة في قلبه مهما ابتعدت المسافات، تشكّلت ملامح مسيرته، قبل أن يصبح اسمه مرتبطاً بكنائس ورعايا وأجيال، وببلدة حمل مسؤوليتها في سنوات السلم والحرب، وبإرثٍ فكري وروحي خلّفه في سبعة عشر كتاباً.لم يكن الأب بولس عنيد كاهناً حصر رسالته داخل جدران الكنيسة، بل عاش إيمانه في تفاصيل الحياة اليومية، في التعليم والعمل العام، وفي علاقته بأبناء رعيته وعائلته. وعلى امتداد قرنٍ كامل، ظلّت الخدمة الخيط الذي يجمع محطات حياته، من بداياته في لبنان إلى سنواته الأخيرة في كندا، حيث بقي قريباً من الكنيسة والمؤمنين حتى السابعة والتسعين من عمره.من الاكليريكية الى دروب الرسالة تلقّى علومه في الإكليريكية البطريركية في دير مار عبدا هرهريا، ثم تابع دراسته في معهد عين ورقة الإكليريكي، قبل أن يُرسم كاهناً عام 1952 في دير غوسطا. وقد جمع في تكوينه بين الفلسفة واللاهوت والأدب العربي، وأتقن الفرنسية والإنكليزية، إلى جانب إلمامه باللغة السريانية، فكان العلم بالنسبة إليه رفيقاً للرسالة، ووسيلةً للتعليم والتعبير عن إيمانه وفكره.كانت انطلاقته الرعوية في رعية سيدة النجاة في بلدة الكفور، في قضاء النبطية. وهناك، لم تكن المسافات الجبلية عائقاً أمام خدمته؛ إذ كان يتنقّل على صهوة الفرس بين الوديان والجبال، ليصل إلى أبناء المناطق المجاورة ويؤدي واجباته الكهنوتية. وإلى جانب خدمته الرعوية، تولّى إدارة المدرسة الابتدائية الأسقفية، وساهم في ترميم الكنيسة وإنشاء بيت للكاهن، في صورة تختصر طبيعة رسالته: إيمانٌ يُترجم إلى عمل، وخدمةٌ تتجاوز حدود المذبح إلى حاجات الناس اليومية.ومن الكفور، انتقل عام 1957 إلى علما الشعب، حيث أمضى سبعة عشر عاماً في خدمة الرعية والتعليم. وفي البلدة الحدودية، بنى كنيسة السيدة، وأسس مدرسة ترأس إدارتها، واستقطبت تلاميذ من المناطق المجاورة. وكان يحرص على تنظيم المسرحيات والاحتفالات المدرسية، فتعود عائداتها لدعم بناء الكنيسة، جامعاً بين التربية والثقافة والعمل الكنسي.وقد تجاوز حضوره حدود رعيته، فكانت المناسبات التي ينظّمها تستقطب شخصيات دينية واجتماعية، من بينها الإمام موسى الصدر، الذي اعتاد المشاركة فيها، في مشهدٍ عكس روح الانفتاح والاحترام المتبادل التي ميّزت الأب بولس عنيد، وقدرته على بناء جسور المحبة بين الناس، وجعل العلم والفرح والإيمان مساحاتٍ يلتقي فيها أبناء المجتمع الواحد. العيشية.... رعية وبلدية وذاكرة بينما كان الأب بولس يتابع خدمته الرعوية والتعليمية في علما الشعب، انتُخب بالتزكية أول رئيس لمجلس بلدية بلدته الأم، العيشية. ومع انتقاله إلى خدمتها عام 1974، اجتمعت في حياته مسؤوليتان كبيرتان: رعاية أبناء الرعية، والعمل من أجل البلدة التي نشأ فيها وعرف تفاصيلها وأهلها.على مدى سبعة وثلاثين عاماً، من عام 1964 حتى عام 2001، ارتبط اسمه بالعمل البلدي في العيشية. ولم تكن رئاسة البلدية بالنسبة إليه منصباً منفصلاً عن رسالته، بل وجهاً آخر من وجوه الخدمة. فكما اهتم بالكنيسة والتعليم، عمل من أجل بلدته وأهلها، في مسيرة امتزج فيها الالتزام الديني بالمسؤولية الاجتماعية والإنسانية.غير أن الحرب وضعت هذه المسيرة أمام واحدة من أقسى محطاتها. ففي عام 1976، عاش الأب بولس مأساة مجزرة العيشية، التي أدّت إلى تهجير عائلته وأبناء بلدته ورعيته. واضطر، شأنه شأن كثيرين من أبناء العيشية، إلى مغادرة مسقط رأسه، حاملاً معه ذاكرة المكان وأوجاع أهله، فيما كان عليه أن يواصل رسالته بعيداً عن البلدة التي كرّس لها سنوات طويلة من حياته.خلال سنوات التهجير، خدم رعية السيدة في عاريا مدة خمس سنوات، ودرّس الأدب العربي والدين في معاهد الحكمة في الأشرفية، إلى جانب مدارس في عاريا وعين الرمانة واليرزة والزلقا. وهكذا، لم يتوقّف عطاؤه مع ابتعاده عن العيشية؛ بل انتقلت رسالته إلى أماكن جديدة، وظلّ التعليم والعمل الرعوي وسيلتين لمواصلة ما بدأه في بلدته.العودة والبناء بعد سنوات التهجير، عاد الأب بولس إلى العيشية ليستكمل رسالته الرعوية والتعليمية والعمرانية. وكانت إعادة بناء كنيسة مار أنطونيوس الكبير من أبرز محطات هذه العودة، إذ عمل على إنجازها بمؤازرة نجله المهندس جورج عنيد، وبدعم من أبناء العيشية المغتربين وأصدقائهم في أوتاوا. ولم يكن البناء مجرّد إعادة ترميم لمكانٍ ديني، بل خطوة في استعادة الحياة والذاكرة، وتأكيداً على تمسّك أبناء البلدة بجذورهم وإيمانهم.كما سعى إلى ترميم كنيسة السيدة وبناء قاعتها وتجهيزها، لتبقى حاضرة في قلب البلدة وشاهدة على إيمان أهلها وعطائهم.وأنشأ الأب بولس عنيد غابة