لم يعد الصراع على الطاقة يقتصر على تعطيل الممرات البحرية وتهديد ناقلات النفط، فقد امتد إلى المنشآت النفطية نفسها. ففي 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أمر التحالف بقيادة السعودية بإخلاء محطة الصباحة التابعة لشركة النفط اليمنية غرب صنعاء، وأفادت تقارير بوقوع ضربات عليها وعلى منشآت نفطية في الحديدة ورأس عيسى. وقال التحالف إن الحوثيين يخزّنون صواريخ ومسيّرات في مستودعات المحطة، فيما أكدت الشركة اليمنية أن خزاناتها فارغة. وردّ الحوثيون باستهداف مبنى إداري لأرامكو في الظهران، فاندلع حريق دون إصابات. وسبق ذلك دخان تصاعد من مصفاة لأرامكو جنوب الرياض في 3 أكتوبر بحسب لقطات راجعتها رويترز، بينما وصف التحالف ادعاءات الحوثيين بالمضلِّلة. ولا يزال حجم الأضرار الفعلية وأثرها في الإنتاج والتصدير بحاجة إلى تأكيد مستقل. وتزداد خطورة هذه التطورات كون السعودية أكبر مصدّر للخام في العالم، وثالث أكبر منتج له بنحو 9.51 ملايين برميل يومياً في 2025. ويمر عبر باب المندب جزء مهم من تجارة النفط: فوفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغت التدفقات 9.3 ملايين برميل يومياً في 2023، ثم 4.2 ملايين في النصف الأول من 2025، وقد عادت إلى نحو 7.4 ملايين في يونيو بحسب كبلر. لذلك فإن أي استهداف للمنشآت أو لمسارات النقل يرفع كلفة الشحن والتأمين ويزيد المخاطر المحيطة بالإمدادات، حتى لو لم يتوقف الإنتاج. وتتوزع الكلفة على أكثر من طرف، تتحمل السعودية كلفة حماية المنشآت النفطية والمطارات ومسارات التصدير، فضلاً عن مخاطر اضطراب حركة الطيران والتأثير في ثقة المستثمرين إذا طال التصعيد. وفي اليمن تتجاوز الكلفة الأضرار المادية، فقد يؤدي استهداف منشآت الوقود أو تعطل الإمدادات إلى تفاقم الأعباء المعيشية وارتفاع كلفة النقل والخدمات. أما المستوردون الآسيويون فيواجهون كلفة السوق. وتداول برنت قرابة 105 دولارات في منتصف أكتوبر، بفجوة نحو 11 دولاراً عن غرب تكساس في إقفال 2 أكتوبر/ تشرين الأول، وتقدّر غولدمان ساكس علاوة المخاطر بأكثر من 20 دولاراً، وتتوقع برنت عند 90 دولاراً في ديسمبر/ كانون أول. هل تربح الولايات المتحدة من اضطراب الإمدادات؟ تتمتع الولايات المتحدة بموقع يتيح لها الاستفادة من اضطرابات السوق، فهي أكبر منتج للخام في العالم بنحو 13.58 مليون برميل يومياً في 2025، ومن كبار المصدّرين. وعندما تتعرض الإمدادات الخليجية للمخاطر يبحث المستوردون عن بدائل، فيزداد الطلب على الخام الأميركي وتتسع فرص المنتجين لتوسيع صادراتهم وتحقيق إيرادات أعلى. لكن الاستفادة من الأزمة لا تعني أن واشنطن تقف وراء استهداف المنشآت السعودية أو اليمنية. والأدق التمييز بين التسبب في الاضطراب والقدرة على توظيف نتائجه. فالمكسب المحتمل هو تحسّن الموقع التنافسي للمنتجين الأميركيين واتساع النفوذ لدى الدول الباحثة عن بدائل. إن الفجوة السعرية بين خاميّ برنت وغرب تكساس تجعل الخام الأميركي أرخص للمشتري، لكن غولدمان ساكس تربط هذا الاختلاف بـارتفاع كلفة الشحن بين الولايات المتحدة وأوروبا، أي أن الميزة السعرية تتآكل عند الشحن. إن ارتفاع النفط يرفع تكاليف النقل والإنتاج في الاقتصاد الأميركي ويضغط على القوة الشرائية ويعقّد احتواء التضخم، كما أن الخام الأميركي لا يحل تلقائياً محل كل الإمدادات الخليجية بسبب اختلاف خصائص الخام وتصميم المصافي وكلفة التأمين، فهي ميزة مهمة، لكنها ليست سيطرة على السوق. يمثل اعتماد الصين على استيراد كميات ضخمة من النفط عبر ممرات بحرية أحد أبرز مواطن ضعفها الاستراتيجي. وقد ظهر ذلك مع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما رافقها من اضطراب في هرمز. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تراجعت الواردات الصينية بعد رقم قياسي في 2025: وتعزو الإدارة التراجع إلى ارتفاع الأسعار الناجم عن تعطل الملاحة في هرمز، وهو لا يعني انخفاض الاستهلاك بالنسبة نفسها ولا يُفسَّر بالكامل بالضغط الأميركي. فقد هبطت الواردات 3.9 ملايين برميل يومياً بينما تراجعت معالجة المصافي 2.2 مليون فقط، أي أن المخزونات غطّت الفارق، وكانت بكين قد عززتها حين انخفضت الأسعار في 2025. وتستطيع الصين تنويع الموردين وزيادة الاعتماد على النفط الروسي وتوسيع استخدام الكهرباء والطاقة المتجددة. لكن هذه الخيارات تبقى محدودة: المخزونات لا تدوم، والإمدادات الروسية لا تعوّض الكميات الخليجية بسهولة، والتحول إلى البدائل يحتاج إلى وقت واستثمارات. فالتحدي الصيني هو انتظام الإمدادات وأمنها وسط اضطراب جيوسياسي مفتوح. وعلى هذا الأساس تستفيد واشنطن من موقعها مصدّراً رئيسياً ومن أدوات نفوذها المالية والتجارية في التأثير في البيئة التي تتحرك فيها بكين، وإن كان حجم اقتصاد الصين ومخزوناتها وتنوع مصادرها يمنحها قدرة على التكيف. لم يعد النفط سلعة تحكمها قوى ال