تدعي أنقرة وباكو أن كلاً منهما دولة علمانية، لكن الحجاب في المدارس الأذربيجانية كشف أن العلمانية تعني في كل منهما شيئاً مختلفاً. فتركيا التي رفعت القيود عن الحجاب خلال العقدين الأخيرين، تنتقد اليوم قيوداً مشابهة لدى حليفها، بينما أذربيجان، التي تتمسك بعلمانيتها الصارمة، ترى في هذا النقد تدخلاً في شؤونها. ويزيد البعد المذهبي المسألة تعقيداً، فتركيا السنية يحكمها حزب إسلامي الجذور، أما أذربيجان الشيعية ثقافياً فتخشى الدولة تسييسها. يعرّف الدستور الأذربيجاني الدولة بأنها علمانية ويكفل في الوقت نفسه حرية الدين، ويعرّف نحو 96% من السكان أنفسهم مسلمين. وتركيا أيضاً علمانية حسب نص دستورها، وقد استند إلى ذلك حزب "أذربيجان الجديدة" في بيانه. لكن التجربتين مختلفتان. ففي تركيا مُنعت المحجبات من دخول الجامعات والوظائف العامة، وبلغ ذلك ذروته في "الانقلاب ما بعد الحداثي" عام 1997، ثم رفعت حكومة العدالة والتنمية تلك القيود بين عامي 2010 و2017. أما أذربيجان فقد ورثت عن الحكم السوفياتي السابق علمانية تعد الدين شأناً تضبطه الدولة وتبقي مؤسساته تحت رقابتها. وهذا طرح تحليلي يفسر سوء الفهم المتبادل، فالعلمانية التركية أقرب إلى الحياد تجاه الدين، بينما الأذربيجانية أقرب إلى الوصاية عليه. فالخلاف إذن ليس بين علمانية ودين، بل بين نموذجين لإدارة الدين داخل الدولة العلمانية. وتعود جذور العلمانية الأذربيجانية إلى الجمهورية الديمقراطية عام 1918 ثم إلى العهد السوفياتي، ولذلك تعدها باكو ركناً من هوية الدولة لا موضوعاً للمساومة. وفي المقابل استخدم أردوغان تجربة تركيا القديمة مراراً في خطابه ضد خصومه العلمانيين، لذا يصعب عليه أن يصمت أمام قيود تذكّر جمهوره بما عاناه. إن الاحتجاجات على منع الحجاب ليست جديدة في أذربيجان، فقد سبق أن أثار منعه في المدارس احتجاجات واسعة سنة 2010، وفي الشهر الماضي عدّلت الحكومة توصيف الزي المدرسي، وقالت وكالة الأنباء الرسمية إن الهدف هو توحيد المظهر بما يعكس "المبدأ العلماني". ولا يذكر النص الحجاب صراحة، لكن مدارس كثيرة منعت الطالبات والمعلمات المحجبات من الدخول إلى حرمها وهن يرتدين الحجاب. وقال معلمون في باكو وسومغايت إنهم أُبلغوا بضرورة خلع الحجاب أو الاستقالة. وأفادت تقارير باحتجاز عدد من المحتجين خلال تلك الاحتجاجات. وفي مقابل هذه الانتقادات والاحتجاجات تقول باكو إن القواعد الجديدة تقوم على المساواة والعلمانية وسيادة القانون، وإنها لا تحظر الحجاب بنص صريح. غير أن منتقديها يردون بأن التطبيق العملي يتجاوز النص، إذ يحرم طالبات من التعليم ومعلمات من العمل. وقالت إحدى المعلمات المتضررات إن الحجاب خيار شخصي، وإن قرار خلعه يجب أن يبقى بيد صاحبته. وفي امتداد لهذه التوترات السياسية، قال أردوغان في الجمعية العامة للأمم المتحدة إن منع الحجاب في المدارس يعدّ اعتداء على أبسط حقوق المرأة، من دون أن يسمي أذربيجان بالاسم، فيما صرح مسؤولون أتراك بأن خطابه سبق أول حادثة في المدارس الأذربيجانية بأسبوع. وعقب ذلك حذر الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في مؤتمر لحزبه من "التدخل في أسلوب حياتنا" من دون أن يذكر تركيا صراحة. ونقل موقع "ميدل إيست أي" عن مسؤولين أتراك حينها أن أنقرة لن ترد وطمأنت باكو بعدم التدخل. غير أنه في الثاني عشر من الشهر الحالي خرج أوكتاي سارال، كبير مستشاري أردوغان، بتصريح علني أكد فيه أن الحجاب "مقتضى عقيدة" ودعا باكو إلى التراجع عن هذا "الخطأ". وانضمت إلى هذه الدعوات شخصيات من حزب العدالة والتنمية مثل ليلى شاهين أوسطا، نائبة رئيس كتلة العدالة والتنمية البرلمانية، والنائب محمد مفيت أيدن. فيما كان النائب المستقل مصطفى ينير أوغلو قد دعا سابقاً أردوغان إلى إثارة المسألة مع باكو. ورداً على ذلك أصدر الحزب الحاكم في أذربيجان (حزب أذربيجان الجديدة) بياناً وصف فيه تصريحات سارال بأنها "شعبوية وغير مسؤولة" وعاد ليذكّر بأن شعار "أمة واحدة في دولتين" يعني أمة واحدة ودولتين مستقلتين ذات سيادة، معرباً عن نزعات تركية للهيمنة والتدخل في شؤون بلاده الداخلية. في سياق التصريحات والتصريحات المضادة، يبرز البعد المذهبي والسياسي، إذ إن الأغلبية في أذربيجان شيعية، لكنها "شيعية ثقافية" لا سياسية بعد عقود من الحكم السوفياتي. وتنظر الدولة بشك وريب إلى الأحزاب والشبكات الدينية، شيعية كانت أم سنية، لخشيتها من "التشيّع السياسي" المرتبط بإيران وكذلك من السلفية. فقد سجن زعيم الحزب الإسلامي موسم صمدوف وقمعت مواجهات نارداران سنة 2015. ولذلك يصعب أن يتحول الاحتجاج الشعبي في باكو، وإن كان ديني الدوافع، إلى حركة سياسية منظمة، لأن الدولة لا تتيح مجالاً للأحزاب الدينية. وعلى الجانب الآخر تضغط القاعدة الإسلامية السنية في تركيا، حيث احتج متظاهرون أمام القنصلية الأذر