في زمنٍ صارت فيه الكلمة اختصارا للهوية، تحوّلت صفةُ "مزاجي" في مجتمعاتنا إلى وصمةٍ تمنح الآخرين ترخيصاً ضمنياً للإقصاء. يُقال عن الموظف "مزاجي" فيُفصَل، وعن الشريك "مزاجي" فيُهجَر، وعن الصديق "مزاجي" فيُنبَذ، وكأن التقلّب العاطفي أصبح جريمة في حقّ نظامٍ اجتماعي يقدّس "الاستقرار المزيف" و"الإنتاجية الباردة". لكن التأمّل العميق في هذه الشخصية التي طالما أُسيء فهمها يكشف أن ما يسمّيه السطحيون "عيباً" هو في الحقيقة فطرةٌ إنسانية صافية، ولغةٌ وجودية لا يفهمها إلا قليلون، ويدفع ثمنها أصحابها. ومن المفارقة أن بعض أعظم المبدعين في الرسم والموسيقى والشعر كان من حاملي هذه الحساسية المتّقدة. إنهم ليسوا ممن لا يصلحون للحياة، بل هم جزءٌ أصيل من نسيجها؛ لكنه نسيجٌ لا تتّسع له عقولٌ اختزلت الإنسان في قوالب جامدة. أول ما يبهر في المزاجي هو "وجهه الواحد". في عالمٍ يُباع فيه الضحك ويُشترى الودّ، ويُمارَس فيه الخنوع وسيلةٍ للبقاء، يأتي المزاجي كاستثناءٍ محرج. هو لا يملك وجهاً آخر للتجار، ولا يبيع ابتسامته في مقابل منصب. المجتمع يظنّ هذا غروراً، لكنه في الحقيقة صدقٌ نادر؛ فمن لا يستطيع أن يكذب على ذاته، كيف له أن يكذب على الآخرين؟ إنه مرآةٌ تعكس زيف المحيط، وهذا ما يجعله ثقيلاً على النفوس المريضة بالتملّق، لكنه في المقابل يمنح نفسه حرية هي أثمن ما يملك. هذه الفطرة المتوهّجة تجعله يقرأ الوجوه قبل أن تنطق، ويستشعر الأحداث قبل وقوعها، ويعيش في توقيتٍ مضاعف؛ يرى المشهد الحالي وكل الاحتمالات التي ستولد منه. وهذه الحساسية المفرطة، التي يدفع جسده ثمنها إرهاقاً مزمناً، هي ذاتها التي تمنحه بصيرة نافذة، لكنها أيضاً ما تجعل حياته أشبه بالعيش على حافة سكين، حيث لا تفصل الضحكة الصاخبة عن الصمت المُطبق إلا لحظة إدراكٍ واحدة. المأساة الحقيقية للمزاجي ليست في تقلّباته، بل في صعوبة فهم المجتمع له. حين ينقلب فجأة من مرحٍ طاغٍ إلى جمودٍ قاتل، يظنّ الناس أنه "يتصنّع" أو "يتكبّر"، بينما هو في تلك اللحظة يعيش معركة داخلية شرسة. هذا الجمود حيال الأهداف التي سعى إليها بتعبٍ وشغف ليس فشلاً، بل هو انتحارٌ مقصود للرغبة؛ فهو ليس مولعاً بالنتائج بقدر ما هو عاشقٌ للسعي والمعاناة التي تمنح الحياة طعماً. فحين يصل إلى هدفه، تموت المتعة فيتجمّد كآليةٍ دفاعية، ثم يبحث عن شغفٍ جديد. وفي ظلّ هذا الفهم الناقص، يجد ملاذه الوحيد في الليل والهدوء؛ ليس هروباً، بل هجرة ضرورية من ضجيج النهار حيث يُجبَر على التمثيل، إلى صفاء الليل حيث تسقط الأقنعة. الليل هو موطنه الأصلي، وفيه يخبّئ حبّه الصامت؛ فهو يحبّ باختفاءٍ وبرودٍ ظاهري، لكنه في الخفاء يحفظ التفاصيل، ويتذكّر الأصوات، ويقدّم الدعم قبل أن يُطلَب. غير أنّ صمته هذا، وإن فُهم خطأ على أنه اختبارٌ للآخرين، ليس فضيلة في ذاته؛ فمن يحبّ لا ينبغي أن يجعل من صمته سؤالاً معلّقاً، بل أن يتعلّم أن يقول ما يريد بوضوح، لأنّ الحبّ لا يُقاس بالغياب، بل بالحضور الذي لا يحتاج إلى تفسير. لكن الدفاع عن المزاجي لا يعني تقديس تقلّباته، ولا تبرير كل سلوكٍ يصدر عنه تحت لافتة "الفطرة". إنّ فينا من يحمل هذه الحساسية كموهبةٍ تُدار بحكمة، وفينا من يحملها كجرحٍ مفتوح يحتاج إلى علاج. فبعض ما نسمّيه "مزاجية" ليس عمقاً ولا عبقرية، بل اضطرابٌ حقيقي، كاضطراب ثنائي القطب، أو عسر المزاج (الاكتئاب الجزئي)، أو اضطرابات القلق. كما أنّ اضطرابات الهرمونات، وتقلّبات الغدة الدرقية، واختلال النواقل العصبية، كلها عوامل بيولوجية خارجة عن إرادة صاحبها، تذكّرنا بأن المزاج ليس دائماً خياراً ولا هوية، بل قد يكون أحياناً عَرَضاً لجسدٍ يصرخ بلغةٍ لا يفهمها أحد. ثم إننا جميعاً نمرّ بفتراتٍ مزاجية في حياتنا: بعد فقدٍ، أو ضغطٍ، أو تغيّرٍ هرموني، أو حتى بعد ليلةٍ بلا نوم. فالمزاجية ليست حكراً على أحد، وليست صفة ثابتة، بل طيفٌ يمرّ به كلّ إنسان بدرجاتٍ متفاوتة. والفرق دقيقٌ بين من يقول: "تقبّلوني كما أنا" ليتحرّر من عبء الإصلاح، ومن يقول: "تقبّلوني كما أنا، وسأعمل على أن أكون نسخة أكثر وعياً من نفسي". الأول يطلب ترخيصاً، والآحر يطلب رحمة ومسؤولية معاً. فالمزاجي الناضج ليس من يفتخر بتقلّباته كوسام، بل من يعرف متى تكون حساسيته نعمة يُبدع بها، ومتى تصبح نقمة تُؤذيه وتؤذي من حوله، فيمدّ يده طالباً المساعدة من دون خجل. والمجتمع الناضج ليس من يمجّد المزاجيين تمجيداً أعمى، ولا من ينبذهم نبذاً قاسياً، بل من يفسح لهم مساحة آمنة، ويمدّ لهم يداً حين يحتاجون، ويحاسبهم حين يخطئون. فالتقبّل لا يعني التبرير، والتفهّم لا يعني الإعفاء، والرحمة لا تعني التخلي عن المسؤولية. وقبل أن يمضي هذا الدفاع، لا بدّ من فاصلٍ حاسمٍ يمنع الخلط: إنّ المزاجي الذي ندافع عنه هنا ليس صاحب السلطة الذي يتّخذ من مزاجيته سوطاً يجل