بمناسبة مشاركته في معرض "بيروت للكتاب 2026"، يعود الكاتب الفرنسي-اللبناني بالذاكرة إلى 13 نيسان/أبريل 1975، والذاكرة المجزأة للحرب الأهلية اللبنانية، وهويته بين لبنان وفرنسا، وصعوبة بناء سرد جماعي في بلد يحتفظ فيه كل فرد بروايته الخاصة للتاريخ. كيف يمكن بناء مستقبل مشترك عندما لا يزال الماضي نفسه يسبب الانقسام؟ هذا أحد الأسئلة التي تشكل جوهر كتاب "13 نيسان/أبريل 1975"، للكاتب الفرنسي-اللبناني مروان شاهين، المشارك في معرض "بيروت للكتاب 2026". من خلال هذا العمل، يعود المؤلف إلى حدث أصبح رمزاً لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية: حادثة حافلة عين الرمانة في 13 نيسان/أبريل 1975. لكنه يتجاوز مجرد إعادة سرد الوقائع، حيث يتناول عمله العلاقة المعقدة بين اللبنانيين وذاكرتهم الجماعية، التي شكلتها الروايات المتباينة والتفسيرات المتناقضة، وأحيانًا رفض العودة إلى تلك الفترة.بالنسبة لشاهين، لا تكمن المشكلة فقط في الخلافات حول ما حدث، بل أيضاً في غياب ذاكرة مشتركة. فكل فرد يروي الأحداث من خلال تجربته الخاصة وتفسيره الخاص، في حين يفضل آخرون التزام الصمت. وهذا التشرذم يجعل من الصعب بناء سرد مشترك للتاريخ الوطني.وهكذا يصبح يوم 13 نيسان/أبريل 1975، في كتابه، نقطة انطلاق لفهم لبنان اليوم: بلد لا يزال يواجه صعوبة في النظر إلى ماضيه بشكل جماعي والاعتراف بتنوع التجارب التي يتألف منها. الكاتب الفرنسي-اللبناني مروان شاهين كيف يمكن المضي قدماً إذا لم نتفق على الماضي؟ هذا بالضبط هو السؤال الذي يوجه نهج المؤلف. فبدلاً من فرض رواية واحدة للأحداث، يسعى شاهين إلى تقديم أداة تسمح ببناء ذاكرة مشتركة انطلاقاً من توثيق ذلك اليوم ومقارنة الروايات المختلفة المرتبطة به. لذا، فإن التحدي لا يكمن بالضرورة في محو الخلافات، بل في خلق مساحة يمكن فيها الاستماع إليها وتوثيقها وفهمها. والاعتراف بالاختلافات لا يعني التخلي عن البحث عن الحقائق: بل يتعلق الأمر بإبراز قاعدة مشتركة يمكن لللبنانيين انطلاقاً منها أن يبدأوا الحوار مع تاريخهم. "كلما فهمت لبنان أكثر، قلّ تفاؤلي"هل ساعدت السنوات العشر التي قضاها مروان شاهين في لبنان والعديد من سنوات التحقيق التي أمضاها على فهم البلد بشكل أفضل؟ "أعتقد أنني اليوم، بعد كل هذه السنوات من التحقيق، أفهم لبنان بشكل أفضل بكثير"، يشرح. لكن هذه المعرفة المتعمقة لم تغذي بالضرورة تفاؤله. ويعترف أنه "كلما فهمناه أكثر، قلّ تفاؤلنا. هذا أمر محبط". ومع ذلك، فإن خيبة الأمل هذه لا تعني انفصالاً عن البلد. بل على العكس، يؤكد شاهين أن ارتباطه بلبنان لا يزال عميقاً. وهذا الارتباط بالذات هو ما دفعه إلى كتابة "13 نيسان/أبريل 1975" ومحاولة "فتح أبواب جديدة" على تاريخ لا تزال تفسيراته تثير الانقسام في المجتمع اللبناني. كما أن هذه العلاقة بالوطن تغذي تفكيره حول هويته الخاصة. وعند سؤاله عن التوازن بين هويتيه الفرنسية واللبنانية، يعترف الكاتب قائلاً: "أعتقد أنني لبناني أكثر مما كنت أعتقد". وهو إدراك يبدو أنه تعزز مع تقدم أبحاثه وعمله حول تاريخ لبنان. الفرنكوفونية اللبنانية، بين التعلق والتراث الاستعماري كما أن علاقتها باللغة الفرنسية تندرج ضمن تفكير أوسع نطاقاً حول الهوية اللبنانية وتاريخها. وفي معرض حديثه عن تراجع الثقافة الفرنسية في لبنان، يرى شاهين أن هذا التطور يمكن النظر إليه من زاوية إيجابية أو سلبية على حد سواء. ويُذكّر على وجه الخصوص بأن الثقافة الفرنكوفونية قد تعيد لبنان إلى حقبة اتسمت بالاستعمار وتساهم في إبقاء البلاد في علاقة خاصة بهذا الإرث التاريخي. ومع ذلك، فإن نقده لا يعبر عن رفض للغة نفسها. ويؤكد قائلاً: "الفرنسية هي لغتي وأنا أحبها". بين التعلق الشخصي والنظرة النقدية المتباعدة، يسلط شاهين الضوء على توتر يتجاوز مساره الشخصي: كيف يمكن الحفاظ على رابط ثقافي مع التساؤل في الوقت نفسه عن التاريخ وعلاقات القوة التي شكلته؟ من بين مشاريعه المقبلة، يعمل مروان شاهين على كتاب مخصص للمغنية وردة الجزائرية. ولدت هذه الفنانة لأب جزائري وأم لبنانية، واشتهرت في مصر، مجسدةً بطريقتها الخاصة التبادلات الثقافية التي تعبر العالم العربي. كما أن مسيرتها تعكس بعض القضايا التي تشكل مصدر إلهام لأعمال شاهين: الهوية، والانتماءات المتعددة، والروابط بين الثقافات. وبفضل ارتباطها باللغة الفرنسية، توفر وردة مجالاً جديداً للاستكشاف للكاتب، الذي يواصل بذلك تأملاته حول الهويات المتعددة والتراث الثقافي المتداخل في لبنان وخارجه.