تزامن انتظار راتبي هذا الشهر مع إعادة قراءتي لكتاب مصطفى حجازي "التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور". وهذا ما دفعني إلى مراقبة الصفحات الإخبارية المحلية وأخبارها العاجلة المتعلقة بخبر صرف الرواتب. تختلف أوقات صرف الرواتب، وخصوصاً رواتب وزارة التربية بين محافظة سوريّة وأخرى، لكنها جميعاً تشترك بطريقة إعلان الخبر المبتدئ دوماً بكلمة "مبروك". تنقسم التعليقات في العادة، بين مباركات وتشكرات، أو استفسارات عن رواتب باقي المحافظات، يتخللها مزيج من الدعوات، والمناشدات، وبعض الشتائم لمن طال انتظارهم، تُطلق حصراً من حسابات وهمية. تحولت الرواتب في سوريا منذ فترة طويلة، وطبعاً من قبل سقوط النظام البائد إلى ما يشبه الهبة أو المكرمة للمواطنين. وبعد أن استبشرنا خيراً لفترة قصيرة بإحداث تغييرات في آليات التعامل هذه، تبخرت كل الوعود والعهود من قبل المسؤولين، وتحولت التصريحات الرسمية حتى من قبل بعض الوزراء إلى مجرد فقاعات إعلامية، حتى صرنا ندرك جيداً أنها تُوجّه للخارج وليس للداخل. كما حدث عندما تناقلت الصفحات الإخبارية العربية أخبار زيادات كبيرة في رواتب السوريين، قبل فترة من الحدوث الفعلي للزيادة غير المنسجمة بطبيعة الحال مع التصريحات الحكومية. لم يُسمح للسوري يوماً أن ينظر إلى راتبه كواجب قانوني وأخلاقي على مؤسسات الدولة، فتحويل الحقوق إلى منح، هي من أبرز آليات الهيمنة النفسية والاجتماعية في المجتمعات التي تعرضت للقهر، وهذا ما أشار إليه مصطفى حجازي عندما قال إنّ لب مسألة التخلف -الذي نقصد به كل هدر لقيمة الإنسان وكرامته- هو بنية تتصف بالقهر والقمع والرضوخ، أي بحرمان الإنسان من إنسانيته، ومن حقوقه البسيطة. التخلف في جوهره هو استلاب اقتصادي اجتماعي من الناحية المادية، وهذا ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى استلاب نفسي على المستوى الذاتي للفرد. التخلف التقني والصناعي والاقتصادي والاجتماعي ظواهر ذات خصائص واضحة، أما التخلف الوجودي فما زال بحاجة إلى الكثير لفهمه والوصول إلى خباياه. أتذكر في هذا السياق منذ عدة سنوات، كيف انفجرت إحدى المعلمات في وجهي بسبب اعتراضي على كلمة مكرمة، التي كانت ترفق مع أي زيادة في الرواتب يقرها الرئيس الفار. كانت قادرة على ضربي، وهي تدافع بكل جوارحها عن الرئيس الذي ما زال قادراً على صرف الرواتب وتوزيع المكرمات رغم أنه محاصر، ومحارب من العالم. فهمت وقتها جيداً كيف تعمل السلطات أولاً وأخيراً على تغيير نظرة الإنسان لنفسه ولقيمته، فيصير مجرد أداة في يدها حتى وهي تسلبه حقوقه وتضطهده. يفسر مصطفى حجازي الأمر شارحاً عن أكثر آليات الدفاع تعقيداً لدى الإنسان، وهي التماهي مع السلطة، فعندما يصل الفرد إلى مرحلة يدرك فيها عجزه التام عن مواجهة قوة قاهرة ومتسلطة، ويلغي أي أمل في المواجهة، يلجأ عقله الباطن إلى آلية دفاعية لحماية ذاته من الانهيار النفسي الكامل. هذه الآلية تتلخص في جملة: "إن لم تستطع التغلب عليه، فكن مثله أو معه". عندما يشعر الإنسان بشكل مستمر أنه مجرد ضحية عاجزة، يشعر بالمهانة، ولذلك يتبنى قيم السلطة نفسها، فيبدأ بالتفكير بلغتها، وتبني مبرراتها، والنظر إلى الواقع بعيونها. هنا يتوهم العقل أنه أصبح مشاركاً في القوة بدلاً من أن يكون ضحيتها. وهكذا يُعاد تشكيل صورة السلطة في الوعي الجمعي من مؤسسة حكومية إلى الأب الراعي. ومن هنا بالضبط يظهر سلوك المباركات والامتنان عند صرف الرواتب، كنتيجة طبيعية. فالمواطن لم يعد يرى الراتب حقاً مقابل إنتاجية، على العكس تماماً، يراه مكرمة ومنحة من الأب المتسلط الذي سمح له بالبقاء على قيد الحياة شهراً آخر. ولعل أخطر مرحلة، وهذا ما يمكنك أن تلاحظه ببساطة عند مراقبة بسيطة لتعليقات السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي، هي مدافعة المقهورين عن النظام القاهر بحماسة قد تفوق حماسة السلطة نفسها، أو عندما يلومون الضحية الأخرى إذا طالبت بحقها، معتبرين أنها تخرب الاستقرار وتزعزع الأمان. هل المجتمع السوري نموذج مثالي للإنسان المقهور؟ عندما يُحرم الإنسان لعقود طويلة من القدرة على التأثير في محيطه السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي، ويشعر دائماً بأن مصيره معلق بإرادة خارجية، يتكيف نفسياً عبر تخفيض تطلعاته ورغباته إلى الحد الأدنى. لا يعود تفكيره موجهاً نحو الكرامة أو العدالة، أو المشاركة، بل ينكمش تماماً ليدور في فلك الحد الأدنى من الأولويات. أمور بديهية وحقوق اعتيادية مثل قبض الراتب في موعده، أو القدرة على شراء جرة الغاز، ترتفع قيمتها في الوعي الجمعي لتصبح إنجازات مهمة تستحق الاحتفاء. ببساطة لأن البديل عن هذه الإنجازات البسيطة هو الفراغ أو العجز. إذاً، الشعور بالسعادة هنا ليس في الحقيقة أكثر من آلية دفاعية يقوم بها الإنسان بهدف التقليل من قلقه وخوفه الدائم من الجوع. "الفقر لا يصنع ثورة، وإ