بعد نحو 15 عامًا على سلسلة جرائم القتل التي أثارت الرعب في مناطق مختلفة من جبل لبنان، وأودت بحياة عدد من سائقي سيارات الأجرة، أسدل القضاء اللبناني الستار على واحدة من أبرز قضايا القتل المتسلسل التي شهدها لبنان عام 2011، بإصدار مجموعة من الأحكام قضت بالسجن المؤبد بحق الأخوين تانليان، المعروفين بـ "سفّاحَي التاكسي"، اللذين ارتكبا جرائمهما بدافع السرقة، ولم يترددا في إزهاق أرواح ضحاياهما بدم بارد، رغم أنه كان بإمكانهما الاستيلاء على أموالهم من دون قتلهم. وأصدرت محكمة الجنايات في جبل لبنان، برئاسة القاضية رانيا يحفوف وعضوية المستشارين إيهاب عبد الرحيم وسمر مشموشي، مجموعة من الأحكام بحق الأخوين السوريين جورج وميشال سمير تانليان، قضت بتجريمهما بجرائم القتل العمد والسرقة وتأليف جمعية أشرار وحيازة أسلحة بصورة غير مشروعة، وإنزال عقوبات متعددة بحقهما، قبل إدغامها لتصبح العقوبة الواجبة التنفيذ بحق كل منهما الأشغال الشاقة المؤبدة، مع عدم جواز تخفيضها، وفقًا لما ورد في متن الأحكام. وتعود وقائع القضية إلى عام 2011، عندما شهدت مناطق مختلفة من جبل لبنان سلسلة من جرائم القتل ومحاولات القتل، استهدفت غالبيتها سائقي سيارات الأجرة، وأثارت حالة من الخوف والقلق، خصوصًا أن الجرائم وقعت في تواريخ متقاربة، ومن دون أن تتضح في البداية هوية مرتكبيها أو الروابط التي تجمع بينها. وشملت الجرائم التي كشفتها التحقيقات مقتل ملكة توفيق في 18 نيسان 2011، ومحاولة قتل سائق الأجرة إلياس عاصي في محلة دلبتا بكسروان في 29 تموز، وقتل سائق التاكسي السوري أحمد مصطفى محمد حسن في البوشرية في 4 آب، ثم قتل السوري رجا رامز كشيك في 28 آب من العام نفسه. كما شملت محاولة قتل سائق الشاحنة علي فتاح أحمد زيناد في محلة جسر الوادي في الأول من أيلول، والعثور على جثة مجهولة الهوية في محلة تحويطة النهر في 9 أيلول، وقتل سائق التاكسي حسام مصطفى حمزة في النقاش في 11 أيلول. وفي 14 تشرين الأول، وقعت جريمتا قتل، استهدفتا سائقي الأجرة شاكر عبد النور في محلة النهر وألبرت النشار في البوشرية، تلاهما مقتل سائق التاكسي أحمد عبد الله في البوشرية في 28 تشرين الأول. أما في 11 و 12 تشرين الثاني 2011، فسُجلت جريمتا قتل استهدفتا سائق التاكسي هاكوب كارا يعقوبيان في محلة الدورة، والعريف في الجيش اللبناني زياد ديب في محلة النهر. وشكّل الهاتف الخليوي المسروق من العريف في الجيش اللبناني زياد ديب خيطًا أساسيًا قاد المحققين إلى كشف هوية الأخوين، بعدما ساهم تعقّب الهاتف في تحديد مساره والوصول إلى الأشخاص الذين تداولوه، وصولًا إلى تحديد مكان المتهمين ومداهمة منزلهما. وأسفرت المداهمة عن ضبط مسدس حربي من نوع "أسترا"، كان مخبأً داخل فرن الغاز في شقتهما بمنطقة النبعة، وتبيّن من خلال الفحوص الجنائية أنه السلاح المستخدم في عدد من جرائم القتل. وأظهرت التحقيقات المكثفة، التي شملت معاينة مسارح الجرائم والاستماع إلى الشهود وذوي الضحايا، والاستعانة بمكتب المختبرات الجنائية لفحص المقذوفات والمظاريف المضبوطة، وجود رابط بين الجرائم التي وقعت في تواريخ متقاربة، ما أتاح للمحققين جمع خيوط القضية وكشف تسلسل عمليات القتل. واعترف المتهمان خلال التحقيقات الأولية أمام مكتب المعلومات بارتكابهما الجرائم المتسلسلة، ووصفت المحكمة اعترافاتهما بأنها "عفوية وصريحة"، وتضمنت تفاصيل دقيقة عن الوقائع، بما لا يترك أدنى مجال للشك والارتياب، خصوصًا أنها جاءت عقب المداهمة المفاجئة لمنزلهما. ولم تقتصر الأحكام القضائية على عرض الوقائع والأدلة، بل تضمنت توصيفًا لافتًا لوحشية الجرائم المرتكبة، إذ اعتبرت المحكمة أن الوحشية لا تنحصر في أساليب التعذيب أو الشراسة أو استخدام العنف المفرط، بل تشمل كل سلوك ينطوي على درجة استثنائية من القسوة تجاه الضحية، بما قد يشكل إهانة للإنسانية. وتوقفت المحكمة عند الدافع إلى ارتكاب الجرائم، معتبرة أن الأخوين كان بإمكانهما الاكتفاء بتهديد ضحاياهما، وسلب أموالهم من دون الحاجة إلى إزهاق أرواحهم، وكانا سيحصلان على مرادهما من دون قتلهم. إلا أن أسلوبهما واعتيادهما الإجرامي دفعهما، بحسب تعليل الأحكام، إلى اختيار الوسيلة الأسهل في نظرهما، وهي القتل بدم بارد، من أجل غاية وصفتها المحكمة بأنها "تافهة قلّ نظيرها"، ومن دون إظهار أي شعور بالندم. ورأت المحكمة أن هذه الوقائع تثبت، من دون أدنى شك، الوحشية التي اتسمت بها الجرائم، ولا سيما أن المتهمين لم يكتفيا بسلب ضحاياهما، بل تعمّدا قتلهم رغم انتفاء أي ضرورة لذلك لتحقيق غايتهما. وبعد نحو 15 عامًا على توقيف الأخوين في 14 تشرين الثاني 2011، أعادت الأحكام القضائية إلى الواجهة، سلسلة جرائم تركت وراءها عائلات مفجوعة، وأثارت في حينه مخاوف واسعة لدى سائقي سيارات الأجرة، الذين تحولوا إ