الحوار المستحيل في لبنان: من أزمة الثقة إلى مأزق الدولة الحوار المستحيل في لبنان: من أزمة الثقة إلى مأزق الدولةالمطلوب هو البدء بمسار واضح بدلًا من ترك البلاد رهينة احتمالات لا تملك التحكّم بهابقلم: دافيد عيسى، سياسي لبناني.تتخوّف الحكومة اللبنانية من تأجيل جولة المفاوضات مع إسرائيل، في ظل اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني 2026، وانتخابات الكنيست الإسرائيلي في 27 تشرين الأول من العام نفسه، وما قد تفرضه هذه الاستحقاقات من حسابات سياسية على واشنطن وتل أبيب.لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل يُعقل أن يبقى لبنان معلّقًا بين حسابات الانتخابات الأميركية والإسرائيلية وما قد تفرضه من تبدّلات في المواقف والقرارات، وبين ما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية؟إن ترقّب نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية وما قد يترتّب عليها من انعكاسات على استئناف المفاوضات يجب أن يترافق مع تحرّك داخلي جدّي يهدف إلى توحيد الموقف الوطني وتعزيزه.فلبنان ليس مجرّد ساحة تتأثّر بتفاهمات الآخرين وحساباتهم، بل دولة يُفترض أن تبادر إلى تحديد مصالحها وأولوياتها، وتحصين جبهتها الداخلية، بما يعزّز قدرتها على مواجهة الضغوط والدفاع عن مصالحها في أي مفاوضات مقبلة.وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: صحيح أن إسرائيل تمكّنت من إلحاق أضرار جسيمة بحزب الله وبيئته، وفرضت ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، الذي يشكّل منطقة عازلة تمتدّ لتشمل ما بين 55 و85 بلدة وقرية في جنوب لبنان.وقد تعرّضت نحو 54 بلدة وقرية للتدمير الكلّي أو شبه الكلّي نتيجة عمليات التوغّل والقصف والتجريف، وذلك منذ 8 تشرين الأول 2023 وحتى اليوم.وعلى الرغم من حجم الضربات التي تلقّاها حزب الله، فإنه لا يزال يحتفظ بسلاحه ويرفض تسليمه إلى الدولة اللبنانية، كما لا يزال يؤكّد أن أي مواجهة برّية مع إسرائيل ستكبّدها خسائر فادحة.انطلاقًا من هذه المعطيات، يبرز تساؤل جوهري: كيف يمكن مطالبة الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله بالقوة، في ظل الواقع الميداني القائم والتوازنات العسكرية الراهنة؟ إن طرح هذا السؤال لا ينطوي بأي شكل من الأشكال على انتقاص من قدرات الجيش اللبناني أو التشكيك في دوره الوطني، بل يأتي من باب الواقعية في قراءة موازين القوى.فكيف يمكن للجيش أن يخوض مواجهة عسكرية مع قوة سبق لها أن واجهت الجيش الإسرائيلي، ولا تزال تواجهه، وتمتلك قدرات عسكرية وأسلحة؟ وهل تسمح الإمكانات العسكرية والتسليحية المتوافرة لدى الجيش اللبناني بخوض مواجهة من هذا النوع، وما قد يترتّب عليها من تداعيات؟بناءً على ذلك، فإن الإقدام على خطوة كهذه، في ظل الظروف الميدانية المعقّدة والانقسام الداخلي الحاد، ينطوي على مخاطر جسيمة قد تتجاوز حدود المواجهة العسكرية نفسها، لتطال الاستقرار الداخلي والسلم الأهلي.وأمام هذا الواقع، وفي ظل ما يبدو أن لبنان عالق فيه بين استحقاق انتخابي خارجي وآخر، وبين ترقّب ما ستقرّره العواصم الخارجية ورفض الحزب تسليم سلاحه، تبرز الحاجة الملحّة إلى مبادرة وطنية برعاية رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، لإطلاق حوار وطني جدّي ومسؤول.فمجرّد جمع القوى السياسية حول طاولة واحدة من شأنه أن يخفّف حدّة التشنّج والتحدّي في الداخل اللبناني، ويفتح نافذة حقيقية لمعالجة الخلافات بروح من التفاهم والتوافق، بعيدًا عن التصعيد والمواجهة.وتكتسب هذه المبادرة أهمية إضافية في ظل ما يحظى به الرئيس جوزاف عون من تقدير واحترام لدى معظم الدول الخارجية، الأمر الذي من شأنه أن يمنح أي تفاهم داخلي زخمًا سياسيًا ودعمًا دوليًا، ويعزّز فرص نجاحه في تحصين الاستقرار الوطني وتجنيب لبنان الأسوأ، في مرحلة دقيقة لا تحتمل مزيدًا من الانقسامات والمغامرات.إذا كانت المواجهة بالقوة محفوفة بمخاطر كبيرة، وإذا كان استمرار الوضع الحالي يطرح إشكالية سيادة الدولة، فلماذا لا يكون الحوار الوطني الجدّي مدخلًا لمعالجة هذا الملف؟من هنا، تبرز أهمية توافق القوى السياسية اللبنانية على عقد طاولة حوار برئاسة رئيس الجمهورية، لمناقشة القضايا الوطنية الخلافية الأساسية، وفي مقدّمها سلاح حزب الله.إن الحوار يشكّل ضرورة وطنية، وليس تنازلًا من أي فريق سياسي، بل هو السبيل إلى احتواء الخلافات السياسية والحؤول دون تحوّلها إلى مواجهة بين اللبنانيين، بما يتيح التوافق على آليات معالجة القضايا الوطنية المصيرية ضمن إطار وطني جامع وواضح.لكن المشكلة في لبنان لا تكمن فقط في عمق الخلافات السياسية، بل أيضًا في غياب الثقة بين الأطراف، وفي تحوّل الاختلاف في المواقف إلى تخوين متبادل، وكأن الحوار تنازل، والتفاهم ضعف، والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف خروج عن الثوابت الوطنية.وفي ظل هذه الذهنية، يصبح كل فريق أسير هواجسه ومخاوفه، وينظر إلى أي مبادرة من الفريق الآخر بعين الشك والريبة، فتُغلَ