قد تبقى الزيتونة خضراء فيما يتبدّد محصولها. هذه مفارقة يخفيها جذعها المعمّر: قدرة استثنائية على البقاء، وحساسية أشدّ عندما يحين وقت الإزهار والإثمار. فبين شجرة تقاوم العطش وزجاجة تصل إلى المائدة، مواعيد دقيقة يُربكها شتاء دافئ أو ربيع لاهب. في حوض المتوسط، من الأندلس إلى جنوب لبنان، يختبر تغيّر المناخ تلك المسافة بين الحياة والإنتاج، ويضع تحت الضغط كمية الزيت وطعمه وكلفة الحصول عليه. تحتاج الزيتونة إلى قدر من برودة الشتاء لتنظيم إزهارها، يختلف باختلاف الصنف. حين تقصر البرودة، قد يصبح الإزهار ضعيفاً أو غير متزامن؛ وحين يسرع دفء الربيع نموّها، تتقدّم مواعيده. وقد تؤذي موجة حرّ خلال التلقيح والعقد حيوية حبوب اللقاح وتحدّ من تكوّن الثمار. لذلك، قد يبدأ محصول الخريف بالتقلّص قبل أن يرى المزارع حبّة زيتون واحدة. ويأتي الصيف. يقول المهندس الزراعي عامر كرباج لـ "النهار": "تغلق الشجرة مسام أوراقها لتقتصد بالماء، فيتراجع التمثيل الضوئي وإنتاج المواد اللازمة للنمو. ومع اشتداد الجفاف، تصغر الثمار ويضعف تراكم الزيت، وقد تتساقط، وتخسر حبّة زيتون المائدة بعض حجمها وقيمتها التجارية". ومع توالي سنوات الشحّ، يتراجع مخزون الشجرة وقدرتها على التعافي، فالصمود الذي حفظها قروناً له كلفة تُدفع من المحصول. ظهرت هذه الكلفة في إسبانيا، حين هبط إنتاج الزيت من 1.49 مليون طن في موسم 2021 - 2022 إلى 666 ألفاً في 2022 - 2023، أي نحو 55%، وسط الجفاف والحرّ. لكنه عاد إلى نحو 1.42 مليون طن في 2024 - 2025. وقدّر المجلس الدولي للزيتون للموسم نفسه تعافياً في تونس وتركيا واليونان، مقابل تراجع إيطالي. لا تسقط بلدان المتوسط معاً، ولا يلغي موسم جيّد الاتجاه المناخي، "كما تتداخل ’المعاومة‘، أي تعاقب الحمل الغزير والضعيف، مع الطقس والريّ والإدارة الزراعية، وتتفاوت القدرة على الاحتمال أيضاً: البساتين البعلية في أجزاء من المغرب وتونس وبلاد الشام تنتظر المطر، بينما تستطيع المزارع المجهّزة بالريّ كسب وقت إضافي. إلا أن كلفة الضخّ وشحّ المياه يجعلان هذه الحماية امتيازاً غير متاح للجميع"، وفقاً للمهندس كرباج. وكان ارتفاع الأسعار قد دفع أُسراً إسبانية إلى التحوّل نحو زيت دوّار الشمس في 2024. هكذا، يصل اختلال الموسم إلى المطبخ، ويصبح أحد أعمدة الغذاء المتوسطي أقلّ إتاحة للفئات الأضعف، فيما يحاول المزارع تعويض خسارته. داخل الثمرة، يُعيد الحرّ ترتيب المعادلة الكيميائية. يشرح كرباج: "أظهرت تجارب على أصناف مختلفة أن ارتفاع الحرارة خلال نموّ الثمار قد يخفض نسبة حمض الأولييك، المكوّن الرئيسي للزيت، ويقلّل مركّبات فينولية تسهم في مقاومة الأكسدة والمرارة واللذعة. فتتبدّل النكهة والقيمة الغذائية والثبات أثناء التخزين، بدرجات تختلف بين الأصناف والبيئات" إلا أن العلاقة بين العطش والجودة أشد تعقيداً من هذه المعادلة البسيطة. ففي دراسة برتغالية نُشرت في 2024، أعطت أشجار المنطقة الأجفّ زيتاً أقلّ، مع زيادة بعض المركّبات الحيوية وصفات حسّية معيّنة. يمكن إذاً أن تتحسّن سمات في الزيت فيما تتضرّر كميته؛ ولا تعني هذه النتيجة أن تعطيش الأشجار وصفة مضمونة للجودة. تتوقف الاستجابة على شدّة الإجهاد وتوقيته والصنف. وترافق ذلك مخاطر أخرى: حرائق أشدّ، وتربة مكشوفة تحملها السيول، وآفات تتغيّر مواسمها ومجالات انتشارها. يضيف كرباج: "قد يتيح الدفء لذبابة الزيتون التوسّع في مناطق أبرد، فيما يحدّ الحرّ المفرط نشاطها في مناطق أخرى. أما بكتيريا ’زيليلا‘ التي ضربت زيتون جنوب إيطاليا، فيرتبط انتشارها بتجارة النباتات والحشرات الناقلة أيضاً، فالمناخ أحد عوامل الخطر المتداخلة". إذا واصل العالم الاحترار، يُتوقّع أن يصبح جفاف المتوسط أطول وأقسى. وبحسب الهيئة الحكومية الدولية المعنية بـ تغيّر المناخ، يرتبط احترار عالمي بمقدار ثلاث درجات مئوية، مقارنة بعصر ما قبل الصناعة، بانخفاض أمطار الحوض بنحو 12% في المتوسط. إنها ضغوط إضافية على زراعة تحتاج إلى الماء فيما تتنافس عليه المدن والحقول. وقد تتّسع المناطق الملائمة شمالاً وإلى ارتفاعات أكبر. تتوقع دراسة نُشرت في 2026 توسّع الملاءمة المناخية، خصوصاً في فرنسا، لكنها تشدّد على أن المناخ تالملائم لا يضمن جدوى زراعية. وفي لبنان، حذّرت دراسة نُشرت في "نيتشر بلانتس" في 2023، بمشاركة الباحثة كارلا خاطر، من تضرّر الإنتاج في النصف الثاني من القرن، خصوصاً جنوباً. واستندت إلى سجلّ بيئي يمتدّ 5400 سنة. يبدأ كرباج جوابه من بند اساسي: الحماية من الأرض، "أي زيادة مادتها العضوية، وتغطيتها ببقايا نباتية، وصيانة المدرّجات (الجلول)، وتقليل الحراثة التي تتركها عارية". كما يحتاج الغطاء النباتي الحيّ إلى إدارة وتوقيت للجزّ كي لا ينافس الأشجار على الماء صيفاً. ويساعد الريّ التكميلي بالتن