ومع بداية الخريف من كل عام، يتحول قطاف الزيتون في العالم العربي من نشاط زراعي إلى حدث اقتصادي واجتماعي، تعمل فيه العائلات، وتنشط المعاصر والأسواق والنقل والتعبئة، وتتأثر به الأسعار والدخول الموسمية في الريف. وتقول الخبيرة أسيل العرنكي لـ"النهار" إن الزيتون في المنطقة "يتجاوز حسابات الأرباح والخسائر"، فهو مورد معيشي لآلاف الأسر، وجزء من الهوية الثقافية والاجتماعية. ولذلك، فإن أثر موسم القطاف يمتد إلى الاقتصاد الريفي وإلى حياة العائلات التي تعتمد على هذا المحصول. وبحسب بيانات المجلس الدولي للزيتون، بلغ إنتاج زيت الزيتون العالمي في موسم 2024/2025 نحو 3.57 ملايين طن، فيما تُقدّر توقعات موسم 2025/2026 بنحو 3.44 ملايين طن، أي بانخفاض يقارب 4% عن الموسم السابق، مع استمرار منطقة البحر المتوسط في تصدر الإنتاج العالمي. تتصدر تونس الدول العربية في إنتاج زيت الزيتون لموسم 2025/2026 بنحو 450 ألف طن، في مقابل 340 ألف طن في الموسم السابق، لتحتل المرتبة الثانية عالمياً خلف إسبانيا. ويأتي المغرب ثانياً بإنتاج متوقع يبلغ 160 ألف طن، في مقابل 90 ألفاً، تليه سوريا بنحو 95 ألف طن، في مقابل 105 آلاف، ثم الجزائر بـ75.5 ألف طن، في مقابل 85 ألفاً، ومصر بـ50 ألف طن، في مقابل 45 ألفاً. ويبرز هنا الفرق بين زيت الزيتون وزيتون المائدة، إذ تُعد مصر من كبار منتجي الأخير، من دون أن يعني ذلك تصدرها إنتاج الزيت. في الأردن، تراجع إنتاج زيت الزيتون في موسم 2025 بنسبة 54.4% إلى 16.342 ألف طن، وفق دائرة الإحصاءات العامة، ما أحدث فجوة في السوق قُدّرت بـ9 إلى 11 ألف طن. أما في موسم 2026، فتتوقع وزارة الزراعة إنتاج 30 ألف طن، في مقابل احتياجات تبلغ نحو 27 ألفاً، بما قد يعيد المملكة إلى الاكتفاء الذاتي. واستعدت 153 معصرة مرخصة لاستقبال المحصول، فيما تراوح التقديرات لسعر تنكة الزيت بين 90 و110 دنانير بحسب الجودة. وفي فلسطين، تشير التقديرات الأولية إلى إنتاج نحو 21 ألف طن من الزيت، في مقابل استهلاك محلي يبلغ 15 إلى 15.5 ألف طن، ونحو 4 آلاف طن للتصدير. لكن العرنكي تشدد على أن وفرة المحصول لا تكفي لضمان دخل المزارع الفلسطيني، موضحة أن "حجم المحصول وحده لا يحدد دخل المزارع الفلسطيني"، إذ يشكل الوصول إلى الأرض وإمكان إتمام موسم القطاف عاملين اقتصاديين أساسيين، إلى جانب كمية الإنتاج. أما سوريا، فتسجل أكبر قفزة، مع تقدير وزارة الزراعة إنتاجاً أولياً يبلغ 954,730 طناً من ثمار الزيتون، يخصص 20% منها لزيتون المائدة و80% للعصر، بما يعادل نحو 190,946 طناً من الزيت، في مقابل 66 ألف طن في الموسم السابق. وتربط هذا التحسن بزيادة الهطول المطري وتحسن رطوبة التربة وتراكم الزيت في الثمار، لكنها تحذر من اعتبار ارتفاع الإنتاج مؤشراً تلقائياً على زيادة الأرباح، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وشح المحروقات وأجور العمال. يمتد النشاط الاقتصادي إلى ما بعد الحقول، ليشمل المعاصر والنقل والتعبئة والتخزين والتسويق (رويترز) في لبنان، تكبد قطاع الزيتون خسائر كبيرة بسبب الحرب، خصوصاً في الجنوب، حيث تعذر الوصول إلى مساحات واسعة من البساتين وتعطلت عمليات القطاف. وتشير تقديرات إلى خسائر في قطاع الزيتون تجاوزت 236 مليون دولار، فيما لم يتم حصاد نحو 4,800 هكتار من بساتين الزيتون في المناطق الحدودية خلال موسمي 2023 و2024. وبلغ إنتاج زيت الزيتون نحو 16 ألف طن في موسم 2023/2024، وارتفع إلى نحو 19 ألف طن في 2024/2025، مع توقعات سابقة بوصوله إلى نحو 19.5 ألف طن في 2025/2026. ولا تتوافر تقديرات رسمية نهائية لموسم 2026، ما يجعل اعتماد رقم جديد سابقاً لأوانه. لا يقتصر الأثر الاقتصادي للزيتون على بيع الزيت. وتوضح العرنكي أن موسم القطاف "عمل كثيف العمالة"، يوفر دخلاً موقتاً للعمال الزراعيين والنساء والطلبة، فيما ينتشر العمل العائلي المشترك وما تعرف بـ"العونة". ويمتد النشاط الاقتصادي إلى ما بعد الحقول، ليشمل المعاصر والنقل والتعبئة والتخزين والتسويق، ما يضخ سيولة في القرى بعد أشهر من الركود، وينعكس على التجارة المحلية وتسديد الديون والتعليم وشراء الاحتياجات الشتوية. لكن توزيع القيمة لا يكون متساوياً على امتداد السلسلة. فبحسب العرنكي، يحصل المزارع الصغير غالباً على حصة أقل من القيمة النهائية عندما يبيع الزيت من دون علامة تجارية أو شهادات جودة، بينما يمكن للتعبئة والعلامات التجارية والتصدير أن ترفع القيمة المضافة للمنتج. زيت زيتون بكر في المعصرة (النهار) ولا تنتهي القيمة الاقتصادية للزيتون عند إنتاج الزيت. وتشير العرنكي إلى أن "الزيتون من المحاصيل التي يُستفاد من كل جزء فيها تقريباً". فمن الثمرة يُنتج زيت الزيتون وزيتون المائدة، ويدخل الزيت في صناعة الصابون، ومنها الصابون النابلسي والحلبي، إضافة إلى مستحضرا