في بقعة لا تتجاوز مساحتها 49 كيلومتراً مربعاً، اختارت الولايات المتحدة أن تكسر هدوءاً عسكرياً استمر نحو شهر مع إيران. استهدفت ضربة أميركية، الأحد 30 آب/أغسطس، منصتي إطلاق على جزيرة لارك، في أول هجوم أميركي معروف داخل إيران منذ أواخر تموز/يوليو. وقالت القيادة المركزية الأميركية إن قوات من الحرس الثوري رُصدت وهي تستعد لإطلاق صواريخ تحمل ألغاماً بحرية إلى مضيق هرمز، معتبرة أن العملية أزالت خطراً وشيكاً على الملاحة. في المقابل، أعلن الحرس سقوط قتلى وجرحى من العسكريين والمدنيين، وردّ بإطلاق صواريخ باليستية على قواعد تستخدمها القوات الأميركية في الأردن. وقال الجيش الأردني إنه اعترض 8 صواريخ دخلت أجواء المملكة. وتفاعلت أسواق النفط سريعاً مع التصعيد، إذ قفز خام برنت بأكثر من 2%، متجاوزاً 90 دولاراً للبرميل. تقع لارك جنوب جزيرة هرمز وجنوب شرق قشم، قبالة شبه جزيرة مسندم العُمانية، عند أحد أضيق أجزاء المضيق. ويبلغ عرض هرمز في هذه المنطقة نحو 39 كيلومتراً، فيما تنتظم حركة الملاحة التجارية في مسارين يبلغ عرض كل منهما ميلين بحريين، وتفصل بينهما منطقة عازلة بعرض مماثل. هذا التضييق الطبيعي يضاعف قيمة أي موقع عسكري قريب من خطوط الشحن. فالسفن التي تحمل النفط والغاز من موانئ الخليج تمر ضمن مساحة محدودة، تتيح للرادارات والزوارق والطائرات المسيّرة مراقبتها، وتضعها في مرمى الصواريخ الساحلية. وتضم لارك قاعدة تابعة للقوة البحرية في الحرس الثوري، إلى جانب مواقع مجهّزة مسبقاً للصواريخ والدفاع الجوي، وفق "موسوعة إيرانيكا". والجزيرة ليست وافدة جديدة إلى صراعات النفط. فقد استُخدمت موقعاً لنقل الخام خلال الحرب الإيرانية–العراقية، قبل أن تقصف القوات العراقية منشآتها عام 1987. وبعد نحو أربعة عقود، عادت لارك إلى قلب المواجهة، لكن بوصفها نقطة للتحكم في حركة العبور هذه المرة، وهذا ما يجعها إحدى ركائز السيطرة الإيرانية على أحد أكثر ممرات الطاقة حساسية في العالم. ازدادت أهمية لارك بعد إغلاق مضيق هرمز وتعطل القسم الأكبر من حركة السفن في أعقاب اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير. فقد أنشأت إيران ممراً بحرياً للسفن التي تحصل على موافقتها، يمر بين الجزيرة والساحل الإيراني، بدلاً من مسارات الملاحة المعتادة في المياه العُمانية. ويسمح هذا المسار للحرس الثوري والسلطات الإيرانية بالتدقيق في هوية السفن ومراقبتها بصرياً قبل السماح لها بالعبور. وأظهرت بيانات تعقب السفن أن عدداً منها انحرف نحو لارك، وسط تقارير عن دفع إحدى الناقلات نحو مليوني دولار لقاء المرور، ما دفع محللي الشحن في "لويدز ليست" إلى وصف المنطقة بأنها "بوابة تحصيل الرسوم في طهران". هكذا جمعت الجزيرة بين وظيفتين: إدارة حركة العبور وفرض شروطها بالقوة. إنفوغراف يظهر موقع الضربة الأميركية على جزيرة لارك، حيث استهدفت القوات الأميركية منصتي إطلاق إيرانيتين، في 31 آب/أغسطس 2026 (الأناضول/رويترز) لم تكشف القيادة المركزية نوع المنصتين أو الصواريخ المعدّة للإطلاق، ولا الآلية المستخدمة لإيصال الألغام إلى المياه. ولم تُتح حتى الآن أدلة علنية تسمح بالتحقق المستقل من طبيعة الذخائر، ما يجعل هذا الجانب من العملية مستنداً إلى الرواية الأميركية.. ومع ذلك، لا يتوقف خطر الألغام الإيراني على هاتين المنصتين. وتقدّر مجلة "Proceedings" التابعة للمعهد البحري الأميركي مخزون إيران بما بين 5 و6 آلاف لغم بحري، من أنواع تقليدية وأخرى تُفعّل عند رصد السفن. ويمكن نشرها بواسطة الزوارق الصغيرة والسفن والغواصات، ما يمنح الحرس خيارات موزعة يصعب القضاء عليها بضربة واحدة. وتكمن خطورة اللغم البحري في أثره الذي يتجاوز قدرته التدميرية. فالعثور على لغم واحد داخل مسار تجاري يكفي لإجبار السفن وشركات التأمين على افتراض وجود المزيد، ويطلق عملية تطهير بطيئة ومكلفة. لذلك لا تحتاج إيران إلى إغلاق المضيق كاملاً كي ترفع أسعار النفط وتدفع الناقلات إلى التوقف. مضخات وقود في مدينة برازوريا بولاية تكساس الأميركية، فيما انعكس التصعيد قرب مضيق هرمز ارتفاعاً في أسعار النفط، في 25 آب/أغسطس 2026. (أ ف ب) جاءت الضربة بعدما أعلنت واشنطن الانتهاء من إزالة الألغام من خطوط الملاحة الدولية، وحذّر الرئيس دونالد ترامب من أن أي سفينة أو زورق يزرع ألغاماً جديدة سيُدمّر. وباستهداف لارك، حوّلت الولايات المتحدة هذا التحذير إلى خط أحمر عسكري، حتى بعدما كانت قد نقلت ضغطها على طهران من الضربات إلى العقوبات الاقتصادية. لكن تدمير منصتين لا ينهي قدرة إيران على تعطيل هرمز، ولا يفتح الممر أمام حركة السفن الطبيعية. فالمضيق لا يزال جزءاً من الصراع على شروط التسوية، وطهران تتمسك بحقها في تنظيم العبور، بينما تطالب واشنطن بفتحه بلا قيود أو رسوم. لهذا كانت لارك هدفاً مثالياً لضربة محد