صفقة سعودية – فرنسية ضخمة بقيمة تقارب 7 مليارات دولار بدت للوهلة الأولى استثمارًا ترفيهيًا واقتصاديًا في ضواحي باريس، لكنها، وفق قراءة إسرائيلية، تحمل خلفها مسارًا سياسيًا أوسع يصل مباشرة إلى لبنان، ويعيد القرار 1701 إلى الواجهة، بالتوازي مع تحضير فرنسي – سعودي لدعم الجيش اللبناني وتعزيز الحضور في بيروت. وبحسب مقال للباحث والمقدم في الاحتياط عميت ياغور في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن الصفقة التي وُقعت في الأيام الأخيرة في باريس بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال زيارة الأخير إلى العاصمة الفرنسية، أظهرت وجهًا اقتصاديًا ملونًا، إذ ستتولى شركة الاستثمارات السعودية "القدية" تمويل إنشاء مدينة ضخمة للمنتزهات الترفيهية على أطراف باريس، باستثمار يبلغ نحو 7 مليارات دولار، بما يؤدي إلى توفير عشرات آلاف فرص العمل للاقتصاد الفرنسي. إلا أن ياغور يرى أن خلف هذا المشهد الاقتصادي تكمن خطوة جيوسياسية أبعد مدى، معتبرًا أن ماكرون يحصل عبرها على تدفق مالي مهم للاقتصاد الفرنسي يمكن تقديمه كإنجاز رئاسي، فيما يرى أن محمد بن سلمان يواصل من جهته مسار تحسين صورته وشراء رصيد سياسي في قلب أوروبا، إلى جانب إظهار هامش إضافي من الاستقلالية عن الولايات المتحدة وإسرائيل، في رسالة مفادها أن لدى الرياض بدائل استراتيجية. وبحسب القراءة نفسها، فإن الساحة الحقيقية التي تتقاطع فيها المصالح لا تقع بالضرورة في باريس، بل في بيروت. وفي قلب الإعلان المشترك لماكرون ومحمد بن سلمان، عاد القرار 1701 الصادر عن الأمم المتحدة بشأن لبنان إلى الواجهة، إذ تحدث الطرفان في السياق نفسه تقريبًا عن نزع سلاح التنظيمات غير التابعة للدولة، في إشارة واضحة إلى حزب الله، وعن الدعوة إلى انسحاب إسرائيلي كامل، إلى جانب دعم واسع يعتزمان تقديمه إلى الجيش اللبناني. ويرى ياغور أن فرنسا، التي فشلت خلال السنوات الأخيرة في استعادة موقعها في لبنان بسبب غياب أدوات الضغط الاقتصادية، وجدت الآن مدخلًا جديدًا عبر ما وصفه بـ"الركوب على الظهر السعودي". وبحسب هذا التصور، ستتولى فرنسا توفير الدبلوماسية والشرعية الدولية والمنصة السياسية، بما في ذلك مؤتمر دعم الجيش اللبناني المزمع عقده قريبًا في باريس، فيما ستوفر السعودية الثقل المالي والغطاء العربي. ويرى الكاتب أن لبنان تحوّل إلى ما يشبه "ورقة اختبار" للشرق الأوسط بأكمله، إذ لم يعد التنافس الإقليمي يُقاس فقط بالقوة العسكرية وحجم النيران في جنوب لبنان، بل بالسؤال حول من سيعيد تشكيل لبنان، وأي محور سيحصل على النفوذ الأكبر في عملية إعادة الإعمار والتأثير في بيروت. وفي هذا السياق، حدد ياغور 4 محاور رئيسية يرى أنها تخوض صراعًا استراتيجيًا على لبنان. المحور الأول هو ما وصفه بالمحور الشيعي – الإيراني، الذي يسعى، وفق تقديره، إلى الحفاظ على نموذج "الدولة المزدوجة" والتعافي من الضربات التي تعرض لها، مع استخدام مؤسسات الدولة في بيروت غطاءً لنشاط حزب الله. أما المحور الثاني، فهو التركي – السوري، إذ يرى أن تركيا ترصد الفراغ داخل الشارع السني في لبنان وتحاول تعميق اختراقها المدني والسياسي في البلاد، فيما يدرس النظام السوري في الوقت نفسه سبل تجديد أشكال نفوذه السابق في بيروت. أما المحور الثالث، فهو الفرنسي – السعودي، الذي يعرض، بحسب ياغور، نموذجًا لـ"نظام جديد" يقوم على إعادة إعمار اقتصادي وعسكري مؤسساتي، ويهدف إلى إبعاد النفوذين الإيراني والتركي معًا، ولكن وفق شروط تضعها باريس والرياض. أما المحور الرابع، فهو الأميركي – الإسرائيلي، الذي يسعى، وفق المقال، إلى إعادة تموضع الحكومة اللبنانية والدفع نحو تطبيع مستقبلي ضمن مسار الاتفاقات الإبراهيمية، بالتوازي مع تقليص تأثير أطراف خارجية مثل فرنسا، التي يقول الكاتب إنها عملت حتى الآن على الحفاظ على النظام القديم. وفي ما يتعلق بإسرائيل، يرى ياغور أن النموذج الفرنسي – السعودي يبدو ظاهريًا بمثابة فرصة، لأنه يطرح نزع سلاح التنظيمات غير التابعة للدولة وتقوية مؤسسات الدولة، إلا أنه قد يحمل، وفق تقديره، مخاطر عملياتية وسياسية كبيرة. ويعتبر أن إعادة إطلاق النقاش حول القرار 1701 بقيادة فرنسية قد تعني تثبيت آليات تنفيذ "رخوة"، وتجاهل الاحتياجات الأمنية الفورية للجيش الإسرائيلي، إلى جانب توفير حصانة دولية للجيش اللبناني من دون التأكد من تفكيك بنى حزب الله ونزع سلاحه فعليًا. وشدد الكاتب على أن إسرائيل، وفق وجهة نظره، مطالبة بإظهار حضور أقوى في الساحة اللبنانية، وعدم تجاهل المحور السعودي – الفرنسي الذي يتشكل، خصوصًا أن السعودية نفسها وقعت أخيرًا "اتفاق مكة" إلى جانب تركيا وباكستان، وهو اتفاق يؤكد الكاتب أنه غير موجه ضد إيران. ويرى ياغور أن غياب تحرك إسرائيلي فعّال قد يجعل المؤتمر المزمع عقد