تستمر الضغوط الأميركية على إيران، حيث تبدو الولايات المتحدة حريصة على الحفاظ على مستوى من التصعيد العسكري والسياسي، ولكن من دون الذهاب إلى مواجهة واسعة أو حرب شاملة. ويأتي هذا المسار بهدف دفعها إلى تقديم تنازلات بشأن عدد من المطالب والأهداف الأساسية التي تسعى إليها واشنطن. وبحسب الكاتب والمحلل السياسي توفيق شومان، فإن الضربة ليل أمس أرادت منها الولايات المتحدة الأميركية المحافظة على مناخات ساخنة على إيران، لكن من دون الذهاب إلى تسخين واسع، مما يعني أن طريق المفاوضات إلى اليوم مسدود، لكن طبيعة المواجهة القائمة حتى الآن تقوم على استخدام القوة العسكرية بصورة محدودة ومدروسة، من دون أن تتحول إلى تصعيد مفتوح. فالهدف الأميركي، في نهاية المطاف، هو إبقاء الضغط على إيران ودفعها إلى التراجع عن أهداف أساسية تريدها الولايات المتحدة الأميركية، في وقت يتمسك فيه الإيرانيون بمجموعة من الثوابت التي يعتبرونها أساساً لأي مسار تفاوضي مقبل. ويشير شومان إلى أن الإيرانيين أعلنوا بوضوح أن أي اتفاق جديد مع الولايات المتحدة الأميركية يجب أن يستند إلى مذكرة التفاهم الموقعة في 17 و18 حزيران الماضي، وإذا لم يتم تفعيل هذه المذكرة فلا يمكن الحديث عن أي مفاوضات. وفي السياق نفسه، يتوقف عند بروز مسألة التفاهم العُماني ـ الإيراني بشأن مضيق هرمز، إذ يرى الإيرانيون أن هذا التفاهم لم يأخذ حيزه النظري إلى مجاله العملي على الأرض، من دون أن تعود الولايات المتحدة الأميركية إلى مذكرة التفاهم. أما على مستوى الوساطات، فيوضح شومان أن الاتصالات لا تقتصر على الجانب القطري، رغم أن القناة القطرية كانت الأكثر تداولاً في الأوساط الإعلامية خلال الفترة الأخيرة، فقد برز أيضاً الدور الباكستاني، مع زيارة القائد الباكستاني إلى طهران، إلى جانب وجود تواصل تركي ـ إيراني في هذا الإطار، ولكنه يلفت إلى أن المعطيات المتوافرة تشير إلى أن هذه التحركات والوساطات لم تتمكن حتى الآن من تجاوز الثوابت الإيرانية الأساسية التي ذكرها. ووفق شومان، فإن المفاوضين الإيرانيين أوصلوا عبر القناتين القطرية والباكستانية مجموعة من النقاط التي تشكل، من وجهة نظر طهران، الأساس لأي مسار تفاوضي مستقبلي، وتأتي في مقدمة هذه الثوابت مذكرة التفاهم، بكل بنودها، ثم الحصول على ضمانات بعدم الاعتداء على إيران مرة أخرى. وإذ ينبّه إلى أننا أمام مجموعة من الثوابت التي وضعها للمرحلة الحالية، والتي تنطلق من مذكرة التفاهم، فإن النقطة الثالثة والأساسية، والتي لا تقل أهمية عن النقطتين السابقتين، هي مسألة الحضور والوجود والدور الإيراني في مضيق هرمز. أما النقطة الرابعة فتتصل بلبنان، وتحديداً بوقف العدوان عليه، باعتبار أن هذا الأمر يدخل أيضاً ضمن الثوابت الإيرانية المطروحة. ويؤكد شومان أن الحديث عن مذكرة التفاهم لا يقتصر على عنوانها العام، وإنما يشمل بنودها كافة، ولا سيما البند الأول المتعلق بوقف الحرب على جميع الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية. ومن هنا، فإن الموقف الإيراني، وفق هذه القراءة، يقوم على أربعة مرتكزات أساسية: إعادة تفعيل مذكرة التفاهم بكل بنودها، الحصول على ضمانات بعدم تكرار الاعتداء على إيران، تثبيت الحضور والدور الإيراني في مضيق هرمز، ووقف العدوان على لبنان. وعليه، تبدو الوساطات الإقليمية أمام مهمة معقدة، في ظل تمسك طهران بهذه الثوابت من جهة، واستمرار واشنطن في سياسة الضغط العسكري والسياسي المحدود من جهة أخرى، بما يجعل احتمالات الانتقال إلى تفاوض فعلي مرتبطة بمدى قدرة الوسطاء على إيجاد صيغة تجمع بين المطالب الأميركية والمحددات التي وضعتها إيران لأي اتفاق مقبل.