من الإمام الصدر إلى ما بعد التحرير: أين أصابت المقاومة وأين أخطأت في المعادلة اللبنانية؟ 16 تشرين الأول 2026 · 01:01 ص قراءة في 7 دقائق حجم الخط د. حسين محمود رمال* ثمة سؤال يُلحّ على كل من يتعاطى الشأن اللبناني بجدّ، لا بادّعاء: هل كان ما جرى في لبنان قدراً جغرافياً محتوماً، أم أنه سلسلة قرارات بشرية - بعضها نبيل، وبعضها متهور، وبعضها انتهازي - صنعت هذا الخراب؟ وللإجابة، لا بد من قراءة النموذج اللبناني لا كقصة حرب، بل كمختبر دستوري وسيادي في اختبار أقصى درجات الضغط: كيف تُصان الدولة حين تتصادم الشرعية بالمشروعية، والسيادة بالالتزام، والمقاومة بالكيان الذي وُجدت لحمايته؟ إن الإشكال الجوهري ليس في وجود مقاومة أو غيابها، بل في طبيعة العلاقة بين ثلاثية: الدولة، والمقاومة، والقضية. وحين تختل هذه العلاقة، لا يُهزم العدو وحده، بل يُهزم الضحية معه. لم يكن الإمام موسى الصدر مجرد رجل دين أطلق شعاراً، بل كان فقيهاً في قراءة التوازنات الاستراتيجية قبل أن تكون هذه المفردة موضة سياسية. أدرك أن الخطر الإسرائيلي لا يتوقف عند حدود فلسطين، وأن مشروعه التوسّعي يتخطّى فلسطين إلى لبنان والعالم العربي، فأسّس مقاومة لبنانية خالصة لدفع هذا الخطر، لكنه - وهذا هو الفرق الجوهري - لم يَقُلْ يوماً إن هذه المقاومة تُقام على حساب سيادة لبنان أو انتقاص دور دولته. المقاومة عنده كانت تعبيراً عن إرادة وطنية في مواجهة عدوان، لا بديلاً عن الدولة ولا موازياً لها. وقد نبّه - وما أصدق ما نبّه - أن الخطر ليس في العدو فقط، بل في تحويل الأرض اللبنانية إلى ساحة تُحرق من أجل قضايا الآخرين، حتى لو كانت قضايا عادلة. فالعدالة في القضية لا تعفي من حماقة الطرح، والقضية العادلة قد تقتلها من يدافع عنها بجهل. هنا لا تردد ولا مجاملة: اتفاق القاهرة 1969 كان خطيئة دستورية وسيادية بالمعنى الحرفي. دولة تُمنح فيها فصائل مسلحة أجنبية حرية الحركة والتنظيم والعمل العسكري على أرضها، خارج الجيش اللبناني وقراره، هي دولة انتُقصت منها سيادتها بأدواتها. لم يكن ذلك تحريراً، بل كان تعويم قضية على حساب كيان. والنتيجة لم تكن فلسطينية النفع ولا لبنانية الحماية، بل كانت اعتداء إسرائيلياً متكرراً على لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات، وكانت مقدمة مباشرة للحرب الأهلية اللبنانية. من يقرأ هذا الملف بالوثائق لا بالخطب، يرى أن ما جرى في الجنوب لاحقاً لم يكن صدفة تاريخية، بل نتاج بنية قانونية أفرغت الدولة من وظيفتها السيادية الواحدة: احتكار السلاح والقرار الاستراتيجي. لم تكن ممارسات المسلحين الفلسطينيين في الجنوب مقاومة منظمة، بل كانت في كثير منها استعراضية عشوائية، دفعت ثمنها قرى الجنوب قبل أي أحد. القصف على الجليل لم يكن يفرّق بين عسكري ومدني، ولم يكن يخلق توازناً، بل كان يستدعي ردّاً إسرائيلياً مدمّراً على القرى اللبنانية الحدودية، فسقط الجنوب بين نارين: نار الاحتلال ونار ممارسات لا تقل سوءاً. هنا توقف الإمام الصدر، ووصل إلى قناعة حادّة، فصاغها بجملة مؤلمة موثّقة لوفد فلسطيني في الكويت: أن الجنوبي الذي حمل كل تداعيات القضية وتقاسم رغيف الخبز، وصل إلى مرحلة لم تعد فيها القضية الفلسطينية إلا وبالاً عليه، من مغتصب فلسطين ومن أهلها الذين أساؤوا إلى الوطن الذي استضافهم. هذه ليست خيانة، بل هي تشخيص مرير لانقلاب الأدوار: من يفترض أن يكون ضحية صارت تضحيته عبئاً على ضحية أخرى. في هذا السياق، كان الرئيس حافظ الأسد يرى - بحسّ استراتيجي بارد رغم اساءات النظام السوري في لبنان - أن الوجود الفلسطيني المسلح في الأقطار العربية يضعف الدول ويشتّت القوة، وأن على الفلسطينيين أن يكونوا خلف الدول العربية وجيوشها، لا أمامها. المعادلة التي طرحها كانت جيش مقابل جيش، لا فصيل مقاوم مقابل جيش. قد يُنتقد هذا الطرح سياسياً، لكنه لم يكن طرحاً عاطفياً، بل طرحاً يعرف أن حروب التحرير إن لم تكن تحت مظلة دولة، تتحوّل إلى حروب استنزاف يدفع ثمنها أهل الأرض المحرقة، لا صانعو القرار. في لبنان، لم تُطبّق هذه المعادلة، بل عُكست تماماً: الدولة غابت، فصارت المقاومة بديلاً عنها، فتحمّل الجنوب ما لا يتحمّله بشر. في العام 1982، جاء الاجتياح الإسرائيلي العام، وتشكّلت المقاومة من كل الطوائف اللبنانية دون استثناء، ضمن أحزاب وتنظيمات. كان الدور الأبرز في مرحلة أولى لحركة أمل، ثم تبلور لاحقاً دور حزب الله كقوة مقاومة كبرى. من 1982 إلى 2000، كان العمل المقاوم عنوان سيادة ومقاومة احتلال، فتحقق التحرير في العام 2000. هذه هي نقطة الإصابة الكبرى: حزب الله، حين حمل السلاح لمواجهة احتلال مباشر، كان في موقع الشرعية الوطنية والاستراتيجية معاً، لأنه لم يعتدِ على أحد، بل دافع عن أرض وشعب، وكان ابن الأرض وابن الناس، لا ميليشيا دخيلة. من ينكر هذا التضحيات يجحف بالحقيق