قطر لا تبني الدّولة نيابة عن اللّبنانيّين..! 16 تشرين الأول 2026 · 12:38 ص قراءة في دقيقتين حجم الخط في زمنٍ تُقفل فيه الحرب أبواب القرى الجنوبية، وتُطفئ أزمة الفيول ما تبقّى من نور في بيوت اللبنانيين، وتضيق في البلد مساحات الأمل تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، تصل قطر مجدداً إلى بيروت حاملةً معها حضوراً عربياً يحتاج إليه لبنان، بقدر حاجته إلى المال والطاقة وإعادة الإعمار. الاحتلال الإسرائيلي ما زال متفلتاً من أي ضوابط، يواصل القصف والتدمير وتجريف القرى والأراضي، ويتنصل من تنفيذ بنود اتفاق الإطار، والانسحاب من الأراضي اللبنانية. وفي المقابل، ما زال قرار حصرية السلاح يواجه استعصاءً واضحاً، ولا سيما في ما يتعلق بالبنية العسكرية لحزب الله، فيما يشترط المانحون العرب والدوليون تحقيق تقدم جدّي في بسط سلطة الدولة، إلى جانب تنفيذ الإصلاحات، قبل فتح أبواب المساعدات، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار. وسط هذه التعقيدات، تكتسب الزيارة القطرية أهمية مضاعفة. فقطر لا تزور لبنان من موقع المُتفرِج، بل من موقع الدولة التي تملك شبكة علاقات عربية ودولية واسعة، وخبرة مشهودة في الوساطات، وقدرة على نقل الهواجس اللبنانية إلى مراكز القرار، ولا سيما أن وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتثبيت مسار التفاوض، يشكلان المدخل الضروري لأي نهوض اقتصادي أو إعمار حقيقي. أما في الداخل، فيختنق اللبنانيون بأزمة كهرباء متفاقمة بسبب العجز عن تأمين الفيول، فيما تتراكم التداعيات الاجتماعية لحربين مدمرتين في أقل من ثلاث سنوات. فالجنوب المنكوب لا يحتاج إلى مساعدات إسعافية فورية وحسب، بل إلى مشروع متكامل يعيد بناء القرى والبنى التحتية، ويؤمّن عودة الأهالي، ويعيد تحريك الدورة الاقتصادية التي أصابها الشلل، وامتدت خسائرها إلى مختلف المناطق والقطاعات. وقطر تتمتع بسجل حافل ويصعب تجاهله في الوقوف إلى جانب لبنان: من المساهمة في إعمار البلدات الجنوبية بعد حرب تموز، إلى رعاية اتفاق الدوحة، ودعم الجيش بالرواتب والمحروقات والآليات، ومساندة القطاعات الصحية والإنسانية، وصولاً إلى الحزمة الأخيرة التي شملت منحة لقطاع الكهرباء، وتمويل مشاريع حيوية. ولم يكن هذا الدعم مشروطاً بمكاسب سياسية ضيقة، بل انطلق من الحرص على استقرار لبنان ومؤسساته. لكن أفضل ترحيب برئيس الحكومة القطرية الشيخ محمد، المُحبّ للبنان واللبنانيين، لا يكون بالخطب، بل بإثبات أن لبنان بات قادراً على مساعدة نفسه: دولة واحدة، وسلاح واحد، وقرار واحد، وإصلاحات قضائية وإدارية ومصرفية تحمي الإستثمارات. تستطيع قطر أن تمد يد الإنقاذ، لكنها لا تستطيع بناء الدولة بالنيابة عن اللبنانيين. فالفرصة موجودة، والمساندة العربية حاضرة، وما ينقص هو القرار اللبناني الشُجاع الذي يحوّل الدعم القطري والعربي من جرعة صمود مؤقتة إلى بداية نهوض وطني حقيقي.