كبر النسر وغدا على أبواب الشيخوخة. كان قوياً مفعماً بالأمل، عيناه ثاقبتان تريان على بعد أميال كل ما يحدث من تحته وهو محلّق في الفضاء، لا يهاب أي مخلوق ولا يخشى المرتفعات والقمم. سرّ طاقته وقوته وعزمه على مواجهة الحياة كانت صديقته عصفورة صغيرة نادرة الوجود رافقته منذ شبابه كلما جال في الغابات والمروج. كانا معاً دوماً على مرّ السنين فكلما غمره اليأس والحزن كانت تغرد له بأروع الزقزقات وتسمعه من نبضات فؤادها ألحان الحياة، وكلما عجز عن تخطي أزمة أو فك عقدة مستحيلة كانت ترشده بحكمتها وهدوء فطنتها لحل كل مشاكله فغدت ملاكه الرفيق الدائم له. وكذلك هو كان حارسها الأمين وحاميها من كل الذئاب والأفاعي التي كانت تود الإنقضاض عليها، فكان دوماً بالمرصاد يتنبه الى ما تخبيء لها من مكائد لم تكن تدركها لأنها من طينة طيبة وصاحبة نيات حسنة لا تحقد ولا ترتاب أو تظن سوءاً بغيرها، فحذرها ودربها على أن تتحوط دوماً من كل خطر ممكن أن يصيبها وكيف تتصدى له، إلى أن غدت قوية جريئة متمكنة من أي تهديد أو هلاك لروحها.مرت الأيام وأصبح ما يجمعهما رابط أبدي قوي تعهدا فيه البقاء معاً فرفرف وحلقا نحو السماء وأعلنا الإتحاد دوماً ومعاً لا مستحيل أمامهما. هما يدركان جيداً صعوبة البقاء معاً طوال الوقت في بيئة ترفض هذا التقارب والإتحاد وتعتبره خارجاً عن المألوف في قانون الغابة التي يعيشان فيها. لكن كانا يلتقيان كل فترة في وكرهما الروحي أو يحلقان بعيداً في الفضاء ويتحدثان بكل ما خبأت أعماقهما من أحاديث وكلمات مفعمة بالحنين وممزوجة بالهموم ومجريات الحياة اليومية، فكانا يستعيدان القوة والبصيرة وإرادة الموجهة ممتلئان بالفرح والبهجة. ذات يوم ومن دون سابق إنذار، قررت العصفورة الجميلة أن يبتعدا إلى الأبد ويفترقا فلا يلتقيان ولا يتحدثان، وكانت مصممة على هذا الحكم وبكل حزم وجزم طالبة من النسر أن يعدها بالوفاء لطلبها ويتركها بحالها. أقسم النسر على تلبية طلبها كيف لا وهي سر قوته وأغلى ما في حياته فراحتها وسلامها هما هدفه الأول ولو كان ذلك على حساب عمره ووجوده.إفترقا وبدأت عواصف الحنين تهبّ وتهدّ مضجع النسر وتصيبه بالألم والوجع وبدأت قواه تخور وتضعف واليأس قيّد يومياته، فلم يعد يهوى الطيران وغدت القمم أمراً عسيراً عليه. حاول مراراً أن يلتقيها ليحدثها عن مصابه علّها تعود ولو للحظات كل فترة كي تبقى روحه وجسده بخير، فكان يطلق الصفير إليها للإستغاثة إلا أنها أبت أن تلبي طلبه. وفي أحد الأيام إرتطم النسر بصخر وهو محلق فكسر جناحه. الآن لم يعد يقوى على الطيران ولا على التحليق فوق الغابة حيث تقطن العصفورة الصديقة وأصبح مشلولاً غير قادر على أن يرفرف بجناحيه ويطير ولو لمسافات مخفوض، .والأوجاع والألام لا تفارقه إطلاقاً واليأس والإحباط حجبا عن عينيه وقلبه كل أمل وفرح. لم يصدق قساوة من عاش عهوداً معها ولم ير الواقع والحقيقة في ما نطق به لسانها، فهي ملاكه وهو حارسها الدائم ورفيقها الأبدي. كان يردد في نفسه دوماً: "كيف تتخذ هذا القرار الظالم الذي ينهي حياته. أفلا تدرك مصابه؟ أتقبل أن يغدو على هذه الحال؟ لا ليست هي من تفعل هذا وهو من آمن بها وبروحها وفكرها".أضحى مريضاً سقيماً فكم كان عظيماً معها وكيف أصبح متشرداً ضعيفاً من دونها. حاله يرثى لها وتراوده أفكار دوماً لإنهاء مسيرة عمره، فالأفضل له أن ينتهي وهو نسر شجاع بطل على أن يكمل حياته مذلولاً مكسور الجناح ومحطم الروح.