لم يعد الجدل بين العراق وإيران حول تسمية الخليج مجرد خلاف لغوي أو تاريخي. ففي لحظة شديدة الحساسية إقليميًا، ومع استمرار الحرب بين إيران والولايات المتحدة واضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، تحوّل إصرار بغداد على استخدام تسمية "الخليج العربي" إلى رسالة سياسية تتجاوز الكلمات، وتوحي بأن العراق يريد تذكير طهران بأن نفوذها داخل البلاد، مهما بلغ، ليس بلا حدود. وبحسب تحليل للدكتور يوئيل غوزانسكي ويرون شنايدر في "القناة 12" الإسرائيلية، عاد أحد أقدم الخلافات بين إيران وجيرانها العرب إلى الواجهة بالتزامن مع تصاعد التوتر بين طهران ودول الخليج العربية، واستمرار الحرب الإيرانية الأميركية التي تلحق بهذه الدول أضرارًا عسكرية واقتصادية. وبدأت الجولة الأخيرة من السجال خلال زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد في نهاية آب، عندما نشر صورة له إلى جانب خريطة للمنطقة كُتب عليها "الخليج الفارسي". وفي اليوم التالي، رد رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي بصورة له أمام الخريطة نفسها، لكن مع كتابة "الخليج العربي" عليها. وقد يبدو الخلاف للوهلة الأولى هامشيًا مقارنة بالقضايا المصيرية التي تواجه العالم العربي، ولا سيما دول الخليج التي وجدت نفسها في قلب العاصفة منذ بداية الحرب، مرورًا بأزمة مضيق هرمز وحتى اليوم، فيما يدفع العراق بصورة خاصة ثمنًا اقتصاديًا باهظًا يهدد استقراره الداخلي. لكن السجال لم يتوقف عند هذا الحد. فقد أعادت السفارة الإيرانية في كينيا نشر المنشور العراقي، وادعت أن اسمي "العراق" و"بغداد" أيضًا يعودان إلى أصول فارسية. وبعد الضجة التي أثارها المنشور، حذفته السفارة، إلا أن بغداد لم تكتف بذلك، إذ استدعت وزارة الخارجية العراقية السفير الإيراني محمد كاظم آل صادق، وطالبت بتوضيحات بشأن منشورات صدرت عن بعثات إيرانية تضمنت خرائط وتصريحات اعتبرتها لا تنسجم مع عمق العلاقات بين البلدين. والخلاف بشأن تسمية المسطح المائي الواقع بين إيران من جهة وسواحل العراق والكويت والسعودية والبحرين وقطر والإمارات وسلطنة عمان من جهة أخرى ليس جديدًا، بل يشكل منذ عقود قضية تاريخية وهوياتية وسياسية. ففي حين يشكل مصطلح "الخليج الفارسي" التسمية الدولية والغربية الأكثر تداولًا، تتمسك الدول العربية المطلة عليه بتسمية "الخليج العربي". وهذا السجال، كما يشير التحليل، ليس مستجدًا، كما أن الحجج التي يستخدمها كل من الطرفين العربي والإيراني لم تتغير، إذ يتمسك كل طرف بموقفه. لكن السؤال المطروح هو: لماذا عاد هذا الخلاف إلى الواجهة الآن تحديدًا؟ فالاسم، بحسب التحليل، ليس تفصيلًا لغويًا، إذ ترتبط تسمية الأماكن بالهوية الجماعية والانتماء، وفي هذه الحالة يتعلق الأمر بهوية عربية في مقابل هوية فارسية. ومن هنا، يشكل الخلاف جزءًا لا يتجزأ من الصراع الأوسع بين إيران والدول العربية، وهو خلاف يصعب الوصول فيه إلى تسوية وسطية، لأن الخليج، من منظور الطرفين، إما عربي وإما فارسي، ولا توجد صيغة تسوية شبيهة بتلك التي يمكن التوصل إليها في المفاوضات السياسية أو التجارية. كما أن المسألة لا تقتصر على الجانب الرمزي. فمنذ صعود الإسلام، ترسخ حضور عربي واسع على سواحل الخليج وفي التجارة وطرق الملاحة فيه، فيما تشكل الدول العربية غالبية الدول المطلة عليه، ويقع جزء كبير من السواحل ومراكز الطاقة والموانئ والبنى التحتية الاستراتيجية على الجانب العربي. ولهذا، ترى الدول العربية في تسمية "الخليج العربي" تعبيرًا عن الهوية والسيادة والانتماء إلى المنطقة. في المقابل، تنظر إيران إلى تسمية "الخليج الفارسي" باعتبارها جزءًا من إرثها التاريخي والقومي، وترفض بقوة أي محاولة لتغييرها، ما يجعل الصراع على الاسم في جوهره صراعًا على الجهة التي تملك حق تعريف هوية هذا المجال الإقليمي وادعاء الأولوية فيه. إلا أن توقيت السجال الحالي ومكانه يمنحانه، وفق التحليل، دلالة أوسع، لأنه يأتي في مرحلة حساسة للغاية في العلاقات بين بغداد وطهران. فالعراق شكّل لسنوات أحد أهم أصول النفوذ الإيراني، اقتصاديًا واستراتيجيًا وعسكريًا، ومنذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003 بنت طهران داخله أدوات نفوذ سياسية واقتصادية وأمنية، في مقدمتها الميليشيات الشيعية المرتبطة بها. لكن الحرب الإقليمية الحالية بدأت تضع مصالح البلدين على مسار تصادمي متزايد. فالعراق يدفع ثمنًا ثقيلًا للسياسة الإيرانية، إذ إن نحو 90% من إيرادات الحكومة العراقية تأتي من النفط، فيما يمر الجزء الأكبر من صادراته عبر مضيق هرمز. وأدت الاضطرابات في المضيق إلى إصابة مباشرة لشريان الحياة الاقتصادي العراقي، فيما يعكس طلب بغداد من طهران منح النفط العراقي وضعًا خاصًا والسماح بمروره مدى تحول سياسة الضغط الإيرانية من مشكلة أميركية أو خليجية إلى مشكلة عراقية أيضًا. وبال