تقدّم النائب رازي الحاج، بواسطة وكيله القانوني المحامي سيزار عبد الله الخوري، بإخبار أمام النيابة العامة التمييزية، طالباً التحقيق في مصدر الأموال المستخدمة لشراء أكثر من 83 عقاراً في بعبدات ومار موسى والدوار والقعقور والمحيدثة، والتدقيق في هوية المستفيد الفعلي وسلامة تسجيل عمليات البيع. لكن خلف العبارات القانونية المنمّقة، لا تظهر في مضمون الإخبار المعلن واقعة جرمية واحدة. لا تحويل مالي مشبوه، ولا مستند يثبت تبييض أموال، ولا اسم مستفيد خفي، ولا دليل يربط المشتري بحزب الله أو بأي جهة غير قانونية. هناك رجل أعمال شيعي اشترى عقارات في المتن، فتحوّل انتماؤه الطائفي إلى شبهة، وعدد العقارات إلى مادة للتحريض. هذه شعبوية رازي الحاج في أوضح صورها: إثارة الريبة أولاً، ثم مطالبة القضاء بالبحث عن جريمة تبرّرها. فالإخبار يفترض عملياً أن على المواطن إثبات براءته لأن طائفته لا تشبه طائفة المنطقة التي اشترى فيها. وهذا استخفاف بالقانون، لأن النيابة العامة ليست مكتباً لتدقيق الشائعات ولا منصة لتسويق الحملات الانتخابية. والأدهى أن الحاج يغلّف خطوته بكلام عن قرينة البراءة وحق الملكية. فأي قرينة براءة تبقى بعدما يُدفع اسم المشتري إلى التداول بوصفه موضع شبهة؟ وأي احترام للملكية الخاصة حين يصبح شراء شيعي أرضاً في المتن سبباً كافياً لاستنفار القضاء؟ هذه ليست صياغة حذرة، بل محاولة لإطلاق الاتهام من دون تحمّل مسؤولية إثباته. وإذا كانت كتلة القوات اللبنانية، بنوابها الـ19، ترى أن انتقال الملكية بين أبناء الطوائف يهدد هوية المناطق، فلتتوقف عن الاختباء خلف الإخبارات، ولتتقدّم بمشروع قانون صريح: المسيحي يبيع المسيحي، والسني يبيع السني، والشيعي يبيع الشيعي، والدرزي يبيع الدرزي. وليُقسَّم السجل العقاري طائفياً، وتُوضع خانة المذهب إلى جانب رقم العقار. عندها يعرف اللبنانيون أن المشروع الحقيقي هو إقامة حدود مذهبية بين البلدات. أما أن يحمي الدستور حرية التملّك، ثم يُعامل المواطن كمتهم لأن اسمه وطائفته لا يناسبان الخريطة الديموغرافية التي يريدها نائب، فهذه ممارسة تضع المنطق الميليشيوي بربطة عنق نيابية، وتستخدم القضاء ستاراً له. ورازي الحاج يعرف، بحكم موقعه النيابي، أن عدد العقارات لا يشكّل جرماً، وأن طلب التحقيق يحتاج إلى وقائع وقرائن، وأن الإخبار الخالي من دليل جدي مرشّح للحفظ. لكنه يعرف أيضاً أن الحفظ سيأتي لاحقاً، بعدما تكون الضجة قد تحققت، والمشتري قد شُهّر به، والخوف الطائفي قد ضُخّ في الشارع. إذا كان لدى الحاج دليل، فليضعه أمام الناس والقضاء. وإذا لم يكن لديه سوى أن المشتري شيعي والعقارات في المتن، فالإخبار لا يكشف جريمة مالية، بل يكشف شعبوية صاحبه وخفة خطرة في استخدام القانون لإنتاج الشبهة والتحريض.