نُواجه في تفاصيل يومنا سلوكياتٍ عائلية تجعلنا نتساءل بحيرة عن جذورها، كتوتراتٍ مفاجئة تشتعل بين أفراد الأسرة دون سببٍ ظاهر، فنقف أحياناً مذهولين أمام فجوة عميقة، متسائلين عن السرّ وراء ما تختبره عائلاتنا من اضطرابات دون غيرها. قد نغفل عن أنَّ الأجيال السابقة عبرت حروباً وأهوالاً قوّضت أمانها وخلّفت صدمات عميقة لم يجدوا سبيلاً للتعبير عنها. ومع أنَّنا قد ننتظر طيَّ تلك التجارب في الماضي، إلّا أنَّ علم النفس والواقع يُثبتان العكس، فالألم لا ينتهي برحيل صاحبه وصدمات الأجداد لا تموت، بل تنتقل عبر الأجيال كأسلوب حياة يُحدّد كيف تتعاطى العائلة مع مشاعرها وتقلّباتها، ما تخشاه وما تختار الصمت عنه إلى الأبد. تجارب الطفولة غير المعالجة تتحوّل إلى أنماط تُرافقنا في البلوغ (Pexels) في حديث لِ “النهار”، تتناول حازر زريق، الاختصاصية في علم النفس السريري والموجودة في دبي، كيفيّة انتقال آثار الصدمات العائلية بين الأجيال وتأثير تجارب الطفولة بالعلاقات العاطفية، أساليب التربية وإمكانية التخلّص من الأنماط المؤذية دون إنكار الماضي. وتوضح أنَّ "الألم لا ينتهي بالضرورة عند الشخص الذي عاش التجربة بل قد ينتقل إلى الأجيال اللّاحقة، ليس على هيئة ذكريات واضحة، إنَّما من خلال طريقة عيش العائلة، كيفية تعبيرها عن الحب، مخاوفها والأمور التي تتجنّب الحديث عنها". تشرح أنَّ "الأسر التي عاشت الحرب قد تستمر في حالة من الخوف واليقظة حتى بعد انتهائها، ما يدفعها إلى نقل مخاوفها إلى أبنائها الذين قد يكبرون وهم يتوقّعون الأسوأ ويخشون الابتعاد عنهم حتى في غياب أيّ خطر حقيقي". مع مرور الوقت، قد يتحوّل ذلك إلى سلوك تربوي ينتقل إلى النشء التالي، فيُصبح الأب أو الأم شديدَي القلق ويحرصان على تفقّد أطفالهما باستمرار، فيما ينمو هؤلاء وهم يشعرون بأنَّ شيئاً ما قد يحدث في أيّ لحظة حتى وإن لم يعرفوا مصدر هذا الإحساس. يبحث علم التخلّق "Epigenetics" في تأثير التجارب الضاغطة والتوتر الحادّ على أنماط التعبير الجيني دون تغيير تسلسل الحمض النووي، كما يتقصّى إمكانية انتقال هذه التأثيرات عبر السلالات. تستند في ذلك إلى دراسة نُشرت في مجلة "Scientific Reports" عام 2025 شملت ثلاثة أجيال من عائلات اللّاجئين السوريين ورصدت تحوّلات دقيقة بنشاط بعض الجينات لدى أحفادٍ لم يشهدوا مصائب النزاعات قط. مع ذلك تُؤكّد على "ضرورة الحذر، فهذا المجال لا يزال في بداياته ولا يجوز اختزال الصدمات النفسية كعامل موروث جينياً بحت". وما يتجلّى لها بوضوح في عيادتها هو "أثر التنشئة والبيئة حيث تنتقل السلوكيات وآليات التعامل مع الرهبة تلقائياً عبر الجميع، فنحن غالباً لا نرث الجرح الأصلي ذاته، بل الأسلوب الذي طوّرته العائلة للنجاة منه". إنَّ الخوف من توريث الأسى هو مجرّد بداية، فالوعي وحده لا يكفي إن لم يقترن بخطوات علاجية استباقية. من هذا المنطلق، تبرز الحاجة للجوء الأزواج إلى الإرشاد النفسي قبل الإنجاب لتحرير الذات من أثقال الماضي وتوجيه الأبناء بحرص متى اقتضت الحاجة. التوعية الفعّالة تُعالج الجذور لا المظاهر وتتجاوز لوم الأعقاب السابقة إلى فهم أثرها الممتد. لا يعني الشفاء إنكار أوجاع الطفولة، بل يتطلّب شجاعة مواجهة أسبابها والتحرّر منها. وفي ظلّ المحن والشدائد التي قد تستمرّ من حولنا، يتجلّى التغيير الحقيقي في قدرتنا على ضبط ردود أفعالنا والحدّ من وطأتها، بما يُساعد على احتواء الصدمة. يقترن ذلك بشجاعة الاعتذار وجسر الهوة بين الذريّة، لِنغدو حقاً نحو إيقاف هذا المَدّ واختيار التعافي الجاد. اليوم العالمي للصحة النفسية: كسر الصمت قبل فوات الأوان الصحة النفسية ليست ترفاً ولا ضعفاً بل مسؤولية تبدأ بكسر الصمت، احتواء الألم وتوفير الدعم والعلاج لكلّ من يحتاج إليهما. كثيرون يرون إرضاء الآخرين أو تجنّب الخلاف طباعاً أصيلة فيهم، بينما هي غالباً استجابات مكتسبة من طفولة بيئتها صعبة، فالصمت قد يكون نتاج الرعب من المواجهة وربط القيمة بالإنجاز ينشأ عن غياب الحب غير المشروط. الفيصل بين الطبع الأصيل والسلوك المكتسب هو مساحة الحرّية، فالهادئ بطبعه يستطيع التعبير بصرامة عند الحاجة، بينما يعجز المُبرمج عن الكلام حتى وإن أراد. ومن لا يتلقّى الاهتمام والحنان إلّا مقابل تفوّقه، يربط قيمته الذاتية بإنجازاته ليشعر لاحقاً بأنَّه غير جدير بالحب ما لم يكن مثالياً. تُحذّر من إسقاط صفة المحنة على كلّ ملمح شخصي، فالمعيار بين الشخصية الأصيلة والسلوك المكتسب يكمن في مساحة الحرّية المتاحة بالاستجابة. الدعم الأسري والجلسات النفسية (Pexels) وتدعو زريق إلى طرح أسئلة بسيطة على الذات: "هل نستطيع رفض طلب دون الشعور بالذنب؟، هل يُمكننا الاختلاف مع شخص نُحبه دون الخوف من خسارته؟، هل نستطيع ارتكاب خطأ دون أن نشعر بأنَّه ينتقص من