تكشف وثائق إسرائيلية جديدة عن فجوة حادة بين الرواية التي يقدّمها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو منذ هجوم 7 تشرين الأول بشأن مسؤولية المؤسسة الأمنية، وبين توجيهات سياسية موثقة صدرت خلال السنوات التي سبقت الهجوم، وتضمنت تجنّب المواجهة والحفاظ على حماس كجهة حاكمة "فعالة ومنضبطة ورادعة"، بالتوازي مع الابتعاد عن خيار الحسم العسكري. وبحسب تقرير للصحافيين رونين بيرغمان ويوفال روبوفيتش في صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية، فإن القضية برزت مجددًا في الدعوى التي رفعها الرئيس السابق لجهاز الشاباك رونين بار ضد نتنياهو، إذ عرض بار في البندين 82 و83 من الدعوى ردّ رئيس الوزراء على خلاصة مناقشة التخطيط التي أعدها الشاباك لسنة العمل 2023–2024 وقُدمت إليه في تموز 2023. وكان الشاباك قد حذّر في الوثيقة من أن "حماس تترسخ على المستوى السلطوي وتتعاظم وتشعل النشاط المسلح في غزة، وأن هناك اتجاهًا واضحًا لربط الساحات وتعاظم التهديد متعدد الجبهات"، وأوصى الجهاز برئاسة بار، من بين أمور أخرى، بـ"استعادة الردع عبر جولات استباقية وتوسيع عمليات الإحباط". وقرأ نتنياهو المذكرة وأعادها إلى بار بعد أيام، وقد ظهرت ملاحظاته بخط اليد في مواضع عدة. وكتب في أعلاها: "في الديمقراطية، الشاباك ليس مسؤولًا عن صياغة الاستراتيجية الوطنية لدولة إسرائيل"، فيما دوّن عند الجزء المتعلق بتوصيات التركيز في الاستراتيجية الوطنية: "هذه ليست توجيهات رئيس الشاباك"، في إشارة واضحة إلى أنه يعتبر نفسه صاحب الصلاحية في تحديد الاستراتيجية. وأشار التقرير إلى أن مكتب نتنياهو التزم لاحقًا الصمت عندما سُئل عن القضية، كما لم يردّ عندما نُشرت ملاحظاته التي تضمنت توجيهًا يعتبر أن حماس مردوعة، خلافًا لروايته اللاحقة التي نسب فيها هذا التقدير إلى أجهزة الاستخبارات. ويشير التقرير إلى أن نتنياهو، من الناحية الرسمية، كان محقًا في أن المسؤولية عن تحديد سياسة إسرائيل تجاه غزة والقضايا السياسية والأمنية الأخرى تقع على المستوى السياسي، لكن السؤال الذي تطرحه الدعوى هو ما إذا كان قد صاغ بالفعل استراتيجية وطنية، وما مضمون هذه الاستراتيجية. ويكتسب هذا السؤال أهمية إضافية في ظل عدم تشكيل لجنة تحقيق رسمية، ما قد يجعل الدعوى أمام المحكمة المركزية أقرب مسار متاح حاليًا لفحص التناقض بين رواية نتنياهو ورواية بار. ومنذ هجوم 7 تشرين الأول، قدّم نتنياهو نفسه في روايته، التي بلغت ذروتها في وثيقة من 55 صفحة سلّمها إلى مراقب الدولة، على أنه "القبطان الوحيد" الذي كان مدركًا للمخاطر، في مواجهة قادة جيش واستخبارات وصفهم التقرير بأن نتنياهو يتهمهم بالغرور وسوء التقدير. وبحسب روايته، عمل المسؤولون الأمنيون من خلف ظهره وحجبوا عنه المعلومات، وتمسكوا بمفهوم أن "حماس مردوعة"، وفرضوا عليه سياسة التردد وأمدّوه بتقديرات استخباراتية خاطئة، وصولًا إلى اتهامه لهم ليلة 7 تشرين الأول بأنهم أبعدوه فعليًا عن عملية اتخاذ القرار خشية أن يدفع نحو حرب مع حماس. إلا أن التقرير يستند إلى وثيقة من 92 صفحة يصفها بأنها الأهم حتى الآن في ما يتعلق بأسباب كارثة 7 تشرين الأول، ويشير إلى أن الجزء الأكثر أهمية فيها يمتد على صفحة ونصف فقط، ويحدد بوضوح من دعا إلى اعتبار حماس مردوعة، ومن أراد إبقاءها في السلطة، ومن أصدر التوجيهات بالحفاظ على الهدوء والتسوية، ومن ابتعد عن خيار الحسم العسكري. وجاء في الوثيقة: "توجيهات المستوى السياسي بشأن غزة في السنوات الأخيرة شملت، من بين أمور أخرى: تأجيل المواجهات، الاعتماد على العائق، توجيه ضربات دورية، والحفاظ على حماس كعنوان سلطوي فعال ومنضبط ورادع". وأضافت الوثيقة: "هذا النهج الاستراتيجي لحكومات إسرائيل تسلل إلى المفهوم العملياتي للجيش الإسرائيلي في ما يتعلق بتجنب حسم حماس، وشجع البحث عن بدائل للحسم". وذهبت الوثيقة أبعد من ذلك، إذ اعتبرت أن إسرائيل لم تحافظ على عدد من عناصر الردع الأساسية، والتي "يبدو أنها كانت ذات تأثير مباشر على قرار حماس إطلاق هجوم 7 تشرين الأول". وبحسبها، كان أحد عناصر الردع التي ابتعدت إسرائيل عن تطبيقها خلال السنوات الماضية هو "مفهوم الحسم الكلاسيكي"، إذ قلّصت خلال العقود الأخيرة أهمية المناورة البرية الهجومية باعتبارها عنصرًا أساسيًا لتحقيق الحسم، واعتمدت "بدائل للحسم" في جولات المواجهة مع غزة منذ عملية "الرصاص المصبوب" عام 2008. وأكدت الوثيقة أن ذلك جرى "من دون فحص استراتيجي لتأثير هذا الأمر على نظرة الطرف الآخر إلى قوة الردع الأساسية لإسرائيل واستعدادها للقتال على الأرض". ويعتبر التقرير أن هذه الخلاصات تتناقض مباشرة مع الرواية التي يقدمها نتنياهو اليوم، وتضع مسؤولية على المستوى السياسي عن إضعاف مفهوم الأمن الإسرائيلي والتخلي عن مبدأ الحسم إلى جانب إخفاقات أخرى ارتبطت مباشرة بما جرى