شهدت فرنسا موجة واسعة من الاحتجاجات الطلابية، خلال الفترة 5-9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بسبب تدهور أوضاع التعليم العمومي، وتراجع الإنفاق على المؤسسات التعليمية. وبلغت ذروتها في 6 من الشهر نفسه، بمشاركة أكثر من ربع مليون متظاهر، وفقاً لتقديرات وزارة الداخلية، ثم تجددت بعده بيومين. وشهدت بعض المظاهرات مواجهات مع قوات الأمن واعتقالات واسعة، في وقت أعلنت فيه الحكومة إجراءات لاحتواء الأزمة، من بينها زيادة الكوادر التعليمية، متّهمةً ما أسمته "قوى اليسار الراديكالي" بالوقوف وراءها. وتُبرز هذه التحركات تصاعد التوترات الاجتماعية في فرنسا، وتضع الحكومة أمام اختبار يتمثل في التوفيق بين مطالب تحسين الخدمات العامة والضغوط المتزايدة لضبط الإنفاق والعجز المالي المتزايد، في حين تستعد البلاد لخوض انتخابات رئاسية في ربيع 2027، يحاول اليمين المتطرف الفوز فيها لحكم البلاد. تشهد فرنسا، منذ سنوات، أزمات اقتصادية واجتماعية متلاحقة، زادت حدّتها مع جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، ثم الحرب الروسية على أوكرانيا، وأخيراً الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، التي تسببت في زيادة أسعار الطاقة وارتفاع معدلات التضخم. وفي خضمّ هذه الأوضاع، خرج الآلاف من طلاب المدارس الثانوية إلى الشوارع احتجاجاً على تدهور ظروف الدراسة، ونقص المعلمين، واكتظاظ الصفوف، وسوء حال الأبنية المدرسية. بدأت التحركات باعتصام طلابي في باحة إحدى المدارس الثانوية في ضواحي باريس، ثم انتقلت إلى مدارس ثانوية أخرى، وتجاوزتها إلى مدن فرنسية عديدة. وانضم إليها معلمون وإداريون، وأبدت بعض المدارس الثانوية الخاصة تضامنها مع طلاب المدارس العمومية، ووصل الدعم إلى الجامعات والنقابات، حيث أمّن الطلبة والنقابيون حمايةً للمتظاهرين من عنف الشرطة. وقد منح هذا الانتشار الاحتجاجات دلالةً تتجاوز المطالب المباشرة، التي خرج من أجلها الطلاب، وفتح الباب أمام أسئلة أوسع تتعلق بسياسات الدولة الاقتصادية والاجتماعية، ومكانة الشباب في المجتمع، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه جيل يجد نفسه أمام مستقبل محفوف بعدم اليقين، وخاصة أن المدرسة الرسمية (الحكومية)، التي ارتبطت في الوعي الجمهوري الفرنسي بمبدأ تكافؤ فرص التعليم للجميع، وإمكانية تحسين الوضع الاجتماعي من خلال التعليم، لم تعد قادرة على الاضطلاع بهذا الدور. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، اكتسبت الاحتجاجات بعداً سياسياً إضافياً، حتى إن كان معظم المشاركين فيها دون سنّ الثامنة عشرة، ولا يملكون حق التصويت؛ إذ حاول بعض المعلّقين المحسوبين على اليمين واليمين المتطرف وضع هذه التحركات في إطار الصراع الحزبي، متهمين حزب "فرنسا الأبية" اليساري بالسعي لاستثمار غضب الطلاب في معركته السياسية قبيل الانتخابات. واستندوا في ذلك إلى مشاركة نواب ومنتخبين محليين في التجمعات، وظهور بعضهم بسترات أو شارات تتيح التعرف إليهم بصفتهم منتخبين، في محاولة لحماية الطلاب من تدخلات الشرطة، التي واجهت انتقادات شديدة في ضوء روايات وشهادات متداولة عن وقوع إصابات بالغة وتوقيفات تعسفية، وخصوصاً أن معظم المشاركين كانوا من الطلاب القُصّر. المدرسة الحكومية ومسألة التفاوت الاجتماعي تكشف المطالب الطلابية عن مشكلة عميقة في قطاع التعليم الفرنسي، تتمثل في النقص المستمر في الكوادر التعليمية، وما يترتب عليه من ضغوط متزايدة على المؤسسات التعليمية، وتراجع قدرتها على توفير تعليم ذي مستوى معقول، بما يعمّق التفاوتات في فرص التحصيل الدراسي بين الطلاب. وتبدو آثار هذا النقص أشد في الضواحي والأحياء الشعبية، حيث تعاني مدارس كثيرة نقصاً في الموارد والتجهيزات، في حين تواجه الأسر فيها ضغوطاً اقتصادية واجتماعية. ولا يمكن فهم الأزمة من خلال انعكاسها على نتائج التحصيل الدراسي فحسب؛ فالتراجع الذي تسجله فرنسا، شأنها شأن دول أخرى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يطرح أسئلةً كبرى عن جودة التعليم من جهة، واتساع الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين شرائح في المجتمع من جهة أخرى. وفي حين تستطيع الأسرة الميسورة تأمين مستوى تعليم أفضل لأبنائها، تستمر الأسر ذات الدخل المحدود في الاعتماد على التعليم الرسمي بمدارسه التي ينحدر مستوى التعليم فيها؛ ما ينعكس على فرص أبنائها في الالتحاق بالتعليم العالي والحصول على فرص عمل. وهكذا، تتحول المدرسة، التي يُفترض أن تمنح أبناء الفئات الاجتماعية المختلفة فرصاً متقاربة للنجاح، إلى مؤسسة تعيد إنتاج التفاوت القائم خارجها. وعلى الرغم من أن الأمر يتصل، أيضاً، بتحولات اجتماعية وتربوية متسارعة، وتغيّر في حاجات الطلاب، وصعوبات تواجه المؤسسات التعليمية في مواكبة هذه التحولات، فإن ذلك لا يعفي الجهات الحكومية من مسؤوليتها عن وضع سياسات بشأن توفير المعلمين، وتحسين ظروف عملهم، وصيانة المدارس