بعد مرور 100 يوم على منح مجلس النواب الثقة لحكومة رئيس الوزراء علي الزيدي في 14 أيار/مايو 2026، تجد السلطة التنفيذية نفسها أمام أحد أصعب الاختبارات الاقتصادية والمالية خلال السنوات الأخيرة، في ظل تزامن اختلالات مزمنة في بنية الاقتصاد العراقي مع صدمة خارجية مفاجئة تمثلت في إغلاق مضيق هرمز وتراجع الصادرات النفطية الجنوبية، التي تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الخزينة العامة. وتراجعت الصادرات النفطية العراقية بنحو 75%، فلم تعد البلاد تصدّر سوى قرابة ربع الكميات التي كانت تصدّرها قبل اندلاع الحرب. وانعكس ذلك مباشرة على الإيرادات العامة والسيولة وقدرة الحكومة على تمويل الإنفاق، وأعاد إلى الواجهة هشاشة الاقتصاد الريعي ومدى تعرض المالية العراقية للصدمات الخارجية. وتكشف أرقام تنفيذ الموازنة حجم هذه الهشاشة. فقد بلغت الإيرادات العراقية نحو 35.95 تريليون دينار حتى نهاية حزيران/يونيو 2026، شكّلت الإيرادات النفطية نحو 80% منها، فيما لم تتجاوز الإيرادات غير النفطية الخُمس تقريباً. وكانت نسبة الاعتماد على النفط أعلى خلال الأشهر السابقة، إذ بلغت 84% حتى نهاية أيار/مايو، فيما أظهرت بيانات عام 2025 أن النفط وفّر نحو 90% من إجمالي إيرادات الدولة. وتتحول هذه النسب إلى أزمة سيولة حقيقية عند مقارنتها بحجم الالتزامات الشهرية للحكومة. فالدولة تحتاج إلى نحو 10.8 تريليونات دينار شهرياً لتغطية الرواتب والالتزامات الأساسية، فيما قُدّرت فاتورة الرواتب والأجور والتقاعد والرعاية الاجتماعية والمدفوعات المرتبطة بها بنحو 8 تريليونات دينار، أي ما يعادل نحو 6.1 مليارات دولار شهرياً، وفق تقديرات حكومية أخرى. وتشمل هذه الالتزامات نحو 10 ملايين مستفيد من الدخل الحكومي، إلى جانب متطلبات السلة الغذائية التي يستفيد منها نحو 40 مليون عراقي، ما يجعل تقليص الإنفاق الجاري مهمة شديدة الحساسية سياسياً واجتماعياً. ومن هنا، لم يعد ملف الرواتب مجرد بند تقليدي في الموازنة، بل تحول خلال الأشهر الأولى من عمر الحكومة إلى مؤشر مباشر على قدرتها على إدارة السيولة والحفاظ على الاستقرار المالي. وظهرت بالفعل مؤشرات مبكرة على صعوبة التمويل، مع تعثر رواتب موظفي دوائر التمويل الذاتي في آذار/مارس بالتزامن مع تداعيات إغلاق مضيق هرمز، قبل أن تتزايد المخاوف لاحقاً مع اتساع فجوة الإيرادات. وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن رواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكات الرعاية الاجتماعية ما زالت مؤمّنة، لكن ذلك يجري في ظل اللجوء إلى أدوات تمويل واقتراض وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق. الإنفاق الاستثماري يدفع الثمن ولا تقتصر تداعيات الأزمة على السيولة، إذ فرض انخفاض الإيرادات النفطية على الحكومة تجميد أو تقليص جانب مهم من الإنفاق الاستثماري، في وقت يحتاج فيه العراق إلى استثمارات واسعة في الكهرباء والمياه والبنية التحتية والصناعة والزراعة. ووفق المعطيات الحكومية، دفعت الضغوط على الإيرادات الدولة إلى إعطاء الأولوية للنفقات التشغيلية، وفي مقدمتها الرواتب والأجور والمعاشات والرعاية الاجتماعية والأمن والخدمات الأساسية، على حساب الإنفاق الاستثماري، مع اتجاه الحكومة إلى الاقتراض لتغطية جزء من التزاماتها. وتضع هذه المعادلة الحكومة أمام تحدٍّ مزدوج: فمن جهة، يتعين عليها حماية الإنفاق الاجتماعي والخدمات الأساسية لمنع انعكاس الأزمة على المواطنين، ومن جهة أخرى، تحتاج إلى مواصلة الإنفاق الاستثماري الضروري لتحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل وتقليل الاعتماد على النفط. في مواجهة هذه الضغوط، تحاول حكومة الزيدي تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة ترتيب الاقتصاد العراقي، عبر دفع ملفات الإصلاح المصرفي، وإعادة هيكلة القطاعين المصرفي والتأميني، والإصلاح الضريبي والجمركي، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتشجيع القطاع الخاص والاستثمار وتنويع مصادر الدخل. كما بدأت الحكومة إجراءات تتعلق بتحصيل الضرائب والرسوم الجمركية وتنظيم التحويلات الخارجية، في محاولة لتقليص الاقتصاد النقدي ومكافحة الهدر والتهرب وتعزيز موارد الخزينة. غير أن هذه الإجراءات تحتاج إلى وقت حتى تتحول إلى موارد مالية قادرة على تعويض الانخفاض الحاد في الإيرادات النفطية، ما يجعل قدرة الحكومة على إدارة المرحلة الانتقالية عاملاً حاسماً في نجاح برنامجها الاقتصادي. وفي هذا السياق، يقول المستشار الاقتصادي والمالي لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح لـ"النهار" إن "حكومة الزيدي تتعامل مع التحديات الاقتصادية والمالية الحالية باعتبارها مرحلة استثنائية تتطلب إجراءات عاجلة ومتوازنة، والحكومة تعمل على تأمين الالتزامات الأساسية للدولة، وفي مقدمتها رواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكات الحماية الاجتماعية، بالتوازي مع معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي". ويضيف صالح أن "توقف أ