لم يتمكن الأميركيون، منذ دخولهم العراق عام 2003، وحتى مغادرة آخر مستشاريهم في 30 أيلول/سبتمبر الماضي، من تحقيق الأمن والاستقرار في العراق، وترسيخ النظام السياسي (الديموقراطي) الذي أسسوه بالقوة العسكرية والإرادة السياسية، على أنقاض النظام الدكتاتوري المتخبط، الذي دمر العراق والمنطقة، بحروبه العبثية ولجوئه الفطري للعنف العشوائي، الذي تسبب في بعثرة العراقيين وتشتيتهم سياسيا واجتماعيا. نعم، حاول الأميركيون، ولكن، كان ينقصهم الثبات والفهم العميق لطبيعة القوى السياسية العراقية التي تعاملوا معها، ومكَّنوها من العمل السياسي، بعدما كانت بائسة يائسة، بينما أهملوا، بل أضعفوا، القوى الأخرى المؤمنة بنظام ديموقراطي مستقل، والتي كان يمكن أن تكون حليفةً لهم، وعاملَ استقرار وازدهار في المنطقة. وفي الجانب العراقي، لم تكن هناك طبقة سياسية وطنية مستقلة ومسؤولة، كي تستفيد من هذه المغامرة الأميركية، إذ كانت فرصة تأريخية نادرة للعراق، وكان يمكن الاستفادة منها سياسيا واقتصاديا وعلميا وأمنيا، لو وجِدت القيادة السياسية الحاذقة، ذات المشروع الوطني الواضح. البعثيون وأتباع النظام السابق كانوا يردحون ويندبون حظهم العاثر، فظلوا أسرى لتركة نظامهم المهزوم، بينما قوى الداخل المستقلة كانت مبعثرة وغير مستعدة لأن تلعب دورا إيجابيا. الأميركيون كانوا في عجلة من أمرهم، فأرادوا أن يؤسسوا "ديموقراطية" في سبعة أشهر، هي تلك التي نصبوا فيها أياد علاوي رئيسا للوزراء، ووضعوا له مواعيد حديدية لا يمكن تحريكها، بينما تميز الإيرانيون بالمكر والصبر، وهذه من صفاتهم الثقافية المعروفة. أما القوى "العراقية" التي كان الأميركيون يتعاملون معها، فكانت مرتبطة بالنظام الإيراني، ارتباطا عضويا أبويا حميميا، إذ كانت تستمد منه العزم وتهتدي بإرشاداته وتوجيهاته، وترى أنها لا تستطيع أن تحيا دون دعمه والسير بهديه وخدمة مصالحه القومية. لم يكن بمقدور الأميركيين، أو أي جماعة سياسية أو فكرية، أن تحزر أن جماعة "وطنية"، تصدت للعمل السياسي، وتنتمي إلى دولة راسخة في جذور التأريخ، يمكن أن تكون بهذا التسيُّب والتفكُّك والضعف، بحيث أنها تُقَدِّم بلدها هدية لدولة أخرى، كانت عبر التأريخ تتربص به شرا، وتسعى لإضعافِه وجعلِه تابعا لها، بل حتى إلحاقِه بها، تحت مدعيات وذرائع شتى. فالإيرانيون، شعوبا وحكاما، لا يكفون عن التغني بأن العراق كان يوما جزءا من إيران، رغم أن إيران كانت، منذ القرن السابع الميلادي، جزءا من الإمبراطورية العربية الإسلامية، التي كانت عاصمتها بغداد. لقد ظن الأميركيون أنهم يتعاملون مع طبقة سياسية عراقية وطنية، كانت فعلا تريد دولة مستقلة، وأنها فعلا تسعى لـ"تحرير" الشيعة من "الظلم" السني الواقع عليها "منذ 14 قرنا"! هكذا فهموا الأمور، عبر أصدقائهم العراقيين، الطامحين في القفز على السلطة بأي وسيلة وتحت أي ذريعة. وللأسف، انضم عراقيون علمانيون إلى هذه الجوقة الطائفية لأسباب انتهازية آنية بحت، وساهموا في إقناع الأميركيين بمظلومية الشيعة والوثوق بالجماعات السياسية التي تشكلت في إيران بعد الثورة الخمينية. ولنضع التأريخ جانبا، رغم أنه وثيق الصلة بما يجري الآن، وأن الأخطاء والخطايا التي ارتُكبت سابقا هي التي رسمت المشهد الحالي، إذ صار قادة الميليشيات التي كانت تحارب العراق إلى جانب إيران، وتعتبره "عدوا مجنونا"، هم قادة البلاد الذين يحددون مصيره ومصالحه، ويسرقون أمواله، في وضح النهار، وينقلونها عبر شاحنات من بنوك الدولة، بينما يتفاوضون مع الدول الأخرى، نيابة عن النظام الإيراني. هل الإدارة الأميركية الحالية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، الذي يديرها وفق مزاجه ومصالحه المتقلبة، جادة في انتشال العراق من قبضة إيران؟ صحيح أنها تضغط على وكلاء النظام الإيراني في العراق، كما لم تفعلْه الإدارات السابقة، وتطالبهم بالابتعاد عن سياسة النظام الإيراني المعادية لأميركا ودول المنطقة، لكنها تغفل عمق المكر الإيراني الذي يدير العراق حاليا، والذي يعمل وفق مبدأ "الانحناء أمام العاصفة حتى تمضي"، ليعود العراق تابعا لإيران، تحت حجج وذرائع هشة! النظام المهلهل، الذي أقامته أميركا في العراق، وخطفته إيران منذ البداية وفكّكته وسلّحته وجعلته أداة طيعة بأيديها، وسخّرته للعمل ضد أميركا والغرب ودول المنطقة، صار متمترسا بالسلطة، ومتمرِّسا في إجادة الأدوار التي يرسمها النظام الإيراني له، وهي قائمة أساسا على ممارسة الخداع والانحناء أمام العاصفة، مع البقاء وفيا ومخلصا للعلاقة العضوية مع النظام الإيراني، على اعتبار أن العالم أجمع يعادي الشيعة العراقيين، الممسكين بالسلطة حاليا، وأن لا مفر لهم، ولا مستقر في أرض الله الواسعة، إلا في الارتماء في أحضان النظام الإيراني المسدد إلهيا، والذي سيهزم العالم أجمع في آخر الزمان، ويخضِعه لإرادة الولي ا