قال المنتدى الاقتصادي العالمي، في تقرير أعده بالتعاون مع شركة الاستشارات أكسنتشر بعنوان “دليل الذكاء الاصطناعي لقطاع الخدمات المالية”، إن المؤسسات المالية تنتقل من مرحلة تجربة الذكاء الاصطناعي إلى اعتماده على نطاق المؤسسة بأكملها، مع تسريع الإنفاق الاستثماري وإعادة تصميم العمليات حول “أنظمة وكيلة” (agentic) قادرة على تنفيذ مهام معقدة بأقل تدخل بشري. التقرير، الصادر ضمن المرحلة الثانية من مبادرة “الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية”، استند إلى مشاركة أكثر من 150 قيادياً من أكثر من 100 مؤسسة، إلى جانب موائد مستديرة عقدت في هونغ كونغ ونيويورك ولندن وسنغافورة، ومقابلات وأبحاث مكتبية أجراها فريق العمل المشترك بين المنتدى وأكسنتشر. الإنفاق يتسارع والثقة لا تزال مشروطة بحسب بيانات مؤسسة “آي دي سي” (IDC) للأبحاث، التي استشهد بها التقرير، يُتوقع أن يرتفع حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي إلى أكثر من 631 مليار دولار بحلول عام 2028، على أن تتصدر قطاعات البرمجيات وخدمات المعلومات، إضافة إلى المصارف والتجزئة، الإنفاق. وأشارت المؤسسة نفسها إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يستحوذ على أكثر من 19% من إجمالي الاستثمار في هذه القطاعات. وفي مسح منفصل أجرته شركة “إنفيديا” (NVIDIA) لممارسي وتنفيذيي الذكاء الاصطناعي في قطاع الخدمات المالية، ذكر التقرير أن 83% من المشاركين توقعوا زيادة إنفاقهم على الذكاء الاصطناعي في 2026، فيما توقع 44% منهم زيادة تفوق 10%. وجاءت الأولويات الثلاث الأولى لهذا الإنفاق، بحسب المسح ذاته، في تحسين قدرات الذكاء الاصطناعي القائمة، واستكشاف حالات استخدام إضافية، وبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي وإتاحة الوصول إليها. في المقابل، لا يزال قبول الجمهور مشروطاً بضمانات واضحة. فقد أظهر استطلاع استشهد به التقرير أن 71% من عملاء المصارف حول العالم يرحبون بوجود مساعد ذكاء اصطناعي داخل تطبيق مصرفهم الأساسي على الهاتف، لكن 82% منهم يريدون الموافقة على أي إجراء يتخذه هذا المساعد قبل تنفيذه. وعلّق جيمي ديمون، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمصرف “جي بي مورغان تشيس”، في تصريح أورده التقرير من اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس مطلع 2026: “الأمر كما هو. يمكنك أن تتمنى العالم الذي تريده، لكنك ستحصل على العالم الذي حصلت عليه، ومنافسوك سيستخدمونه… وإذا دفنت رأسك في الرمال، ستخسر”. حماية البيانات في صدارة المخاوف حدد التقرير ثلاثة معوقات رئيسية تحول دون توسع المؤسسات المالية في اعتماد الذكاء الاصطناعي: أمن البيانات وخصوصيتها، وموثوقية مخرجات النماذج، ومخاطر الاعتماد على موردين خارجيين. وجاءت خصوصية البيانات وحمايتها في صدارة هذه المخاوف، إذ أشار مسح استشهد به التقرير إلى أن 74% من العاملين في القطاع و80% من الجهات الرقابية اعتبروها المخاطرة الأبرز المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. على الصعيد التنظيمي، رصد التقرير تبايناً في مقاربات الجهات الرقابية حول العالم: ففي الولايات المتحدة، صدر الأمر التنفيذي رقم 14365 إلى جانب “إطار إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية” الذي نشرته وزارة الخزانة الأميركية. وفي بريطانيا، اعتمدت هيئة السلوك المالي (FCA) مقاربة إشرافية قائمة على المبادئ ضمن أطرها القائمة. أما الاتحاد الأوروبي، فقد أدخل عبر “قانون الذكاء الاصطناعي” (Regulation EU 2024/1689) التزامات ملزمة قائمة على تصنيف المخاطر، مع متطلبات متدرجة اعتباراً من 2025. وفي آسيا، اعتمدت هيئة النقد في سنغافورة مبادئ “فيت” (FEAT) لتعزيز العدالة والشفافية والمساءلة في استخدام الذكاء الاصطناعي، فيما أصدرت هيئة النقد في هونغ كونغ مبادئ عليا مماثلة. وأورد التقرير عدداً من التجارب التطبيقية في القطاع، من بينها استخدام مصرف “إنترناشونال بنك أوف أذربيجان” نماذج تعلم آلي لأتمتة قرارات الإقراض الصغير بالكامل، ما أنتج عائد محفظة بلغ 21% ونسبة قروض متعثرة أقل من 4%. كما أشار إلى شراكة بين شركة “أليانز بارتنرز” للتأمين ومنصة “تاكتايل” لمعالجة مطالبات التأمين الصحي عبر أنظمة ذكاء اصطناعي وكيلة متعددة، ما خفض زمن معالجة المطالبات من أيام إلى دقائق. خلص التقرير إلى أن المؤسسات التي تحدد استراتيجيتها بوضوح، وتوائم قيادتها، وتبني أسساً تقنية وبشرية قابلة للتكيف، ستكون الأقدر على الاستفادة من هذه المرحلة، مؤكداً أن التعاون بين المؤسسات المالية وصناع السياسات والجهات الرقابية بات ضرورياً لإدارة المخاطر المشتركة الناجمة عن هذا التحول. 1. المنتدى الاقتصادي العالمي وأكسنتشر أصدرا التقرير في حزيران/يونيو 2026 بمشاركة أكثر من 150 قيادياً من أكثر من 100 مؤسسة.2. مؤسسة “آي دي سي” توقعت أن يصل سوق الذكاء الاصطناعي العالمي إلى أكثر من 631 مليار دولار بحلول 20