رغم التوقعات بارتفاع إنتاج الزيتون في سوريا خلال الموسم الحالي، لا تبدو وفرة المحصول كافية لإعادة موسم المؤونة إلى ما كان عليه سابقاً. فبين أسعار يقول مستهلكون إنها أقل من العام الماضي، ومداخيل لا تواكب تكاليف المعيشة، تتجه عائلات سورية إلى تقليص كميات الزيتون التي تخزنها لفصل الشتاء، فيما يواجه المزارعون تحديات مرتبطة بالظروف المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج والقطاف والعصر. توقّع مدير مكتب الزيتون في وزارة الزراعة السورية المهندس محمد قواس أن يبلغ إنتاج ثمار الزيتون خلال الموسم الحالي نحو 954730 طناً، مقارنة بنحو 412 ألف طن في الموسم الماضي، فيما يُقدّر إنتاج زيت الزيتون بنحو 190946 طناً. وأوضح قواس، في تصريح خاص لـِ "المدن"، أن الزيادة المتوقعة ترتبط بعدة عوامل، في مقدمتها ظاهرة المعاومة، وهي ظاهرة طبيعية تتناوب فيها أشجار الزيتون بين مواسم وفيرة الإنتاج وأخرى أقل إنتاجاً. كما تؤثر الظروف الجوية والمناخية، ولا سيما كمية الهطولات المطرية وتوزعها خلال الموسم، في مراحل الإزهار والعقد وتطور الثمار. وأضاف أن مستوى تنفيذ العمليات والخدمات الزراعية، بما يشمل التقليم والتسميد وإدارة الري وتطبيق ممارسات الإدارة المتكاملة لبساتين الزيتون، يؤدي دوراً مهماً في تحديد مستوى الإنتاج وجودة الثمار. وبحسب التقديرات الأولية للوزارة، يُخصص نحو 20% من الإنتاج لزيتون المائدة، فيما يذهب نحو 80% إلى العصر وإنتاج الزيت. في الأسواق، يقول المواطن خالد الموالي إن أسعار الزيتون هذا العام أقل بكثير من العام الماضي، وتبلغ، بحسب تقديره، نحو نصف مستويات الموسم السابق، مع تسجيل أسعار تتراوح بين 10 آلاف و15 ألف ليرة سورية للكيلوغرام، أي نحو 0.72 إلى 1.09 دولار، وفق سعر صرف 13800 ليرة للدولار، مشيراً إلى ظهور أنواع جديدة في السوق، بينها زيتون صافيتا، مع توقع دخول أنواع أخرى. لكن انخفاض الأسعار مقارنة بالموسم الماضي لا يعني أن شراء الزيتون والزيت بات متاحاً لجميع الأسر. فالمشكلة لا تتعلق بالسعر وحده، بل بمدى تناسبه مع الدخل وحجم النفقات الأساسية. وتقول المواطنة رولا السعيد، في تصريح لـِ "المدن"، إن العائلات باتت تختصر كميات المؤونة بما يتناسب مع حاجاتها الفعلية وإمكاناتها المالية. فمن كانت تشتري 20 كيلوغراماً من الزيتون، أصبحت تكتفي بعشرة كيلوغرامات أو خمسة، بحسب قدرتها على الإنفاق. وتوضح السعيد أنها أعدّت سبعة كيلوغرامات من الزيتون، معتبرة أن الأسعار لا تزال مرتفعة قياساً بالقدرة الشرائية، في ظل ظروف معيشية لا تسمح لكثير من الأسر بتخزين الكميات التي اعتادت عليها سابقاً. ولم تعد المؤونة في كثير من المنازل أولوية تسبق بقية النفقات، إذ يتقدم إيجار المنزل وفواتير الكهرباء والغذاء والأدوية على شراء الزيتون وإعداد مؤونة الشتاء، بعدما باتت هذه الالتزامات تستنزف الجزء الأكبر من المداخيل المحدودة. يتحدث التاجر عبد الرحمن الإبراهيم عن موسم يحمل خيراً وإنتاجاً أكبر من العام الماضي، مشيراً إلى إقبال الزبائن على شراء الزيتون بالأسعار الحالية. لكنه يلفت إلى أن حركة البيع والأسعار تتأثران بالطلب والظروف الجوية، وقد ترتفع الأسعار مع هطول الأمطار وزيادة الطلب. وتتراوح مشتريات الزبائن بين عشرة وخمسة عشر كيلوغراماً، وقد تقل بحسب إمكانات كل أسرة. في المقابل، يقدم الفلاح محمد العيسى صورة مختلفة عن الموسم في ريف دمشق، ويقول إن إنتاج هذا العام يقل عن نصف إنتاج العام الماضي، وربما يصل إلى الربع أو أقل، بسبب قلة الأمطار. ويشرح العيسى أن المزارعين يواجهون صعوبات في تأمين مستلزمات الإنتاج وري الأشجار، في ظل ارتفاع تكاليف المازوت وأجور العمال وأعمال التقليم، فضلاً عن الكلفة المرتفعة لتركيب أنظمة الطاقة الشمسية التي يمكن أن تساعد في تأمين مياه الري. ولا تقتصر نفقات الموسم على خدمة الأشجار وإنتاج الثمار، بل تشمل أجور القطاف والنقل والعصر، وهي تكاليف تؤثر في المردود النهائي للمزارعين، وقد تحد من استفادتهم من زيادة الإنتاج المتوقعة. وفي طرطوس، حُددت أجور القطاف الاسترشادية لموسم 2026 عند 800 ليرة سورية يومياً للعامل المعروف محلياً باسم "اللاقوط"، أي نحو 0.058 دولار في الساعة، و1000 ليرة لـ "النابور"، أي نحو 0.072 دولار في الساعة. وكانت الأجور في الموسم الماضي 400 و750 ليرة، أي نحو 0.029 و0.054 دولار في الساعة على التوالي. وهذه أجور استرشادية وليست تعرفة ملزمة، إذ يبقى الأجر الفعلي خاضعاً للاتفاق بين العامل وصاحب الحقل، كما يتأثر بطبيعة الأرض وحجم المحصول والطلب على العمالة. أما أجور العصر، فتبلغ 7% أو 9% من كمية الزيت الناتج، أو 7 إلى 9 ليرات سورية عن كل كيلوغرام من الزيتون الأخضر، أي نحو 0.00051 إلى 0.00065 دولار للكيلوغرام، بحسب ترتيبات نقل المحصول إلى المعصرة ونقل الزيت إلى