وأنا أهمّ بالرّحيل، عند بوابة المدينة الأولى،تركتُ للحرّاس مفتاحاً صدئاًلبابٍ في قريتي البعيدة، لكنهم قالوا لي: "لا تعبرِ المدنَ وفي جيبك بيتٌ كامل،فالبيوتُ أثقلُ من أجساد أصحابها،والمفاتيحُ التي لا تجد أقفالهاتتحوّل، مع الوقت، إلى مسامير في القلب".فمضيتُ خفيفاً دون متاعٍ يُذكر،وخلفي كانت صورة قديمة لجدّتي،التي كانت تكنسُ العتبةَ عند الفجر،والضبابُ يهبطُ عن الجبال، والكرومُ تستيقظُ ببطء.كأنّ المدينةَ الصغيرة لا تعرف أنّ واحداً من أبنائهاسيظلُّ سنواتٍ يبحث عنها في مدنٍ أخرى.لقد كانت تمحو آثار قدميَّ، كي لا يعرف الموتُ أيَّ طريقٍ سلكتُ.*** وعند البوابة الثانية، أخذوا منّي لغتي؛ لا الحروفَ،بل تلك الرجفة الخفيّة التي تجعل كلمةَ "بيت" أدفأ من أربعة جدران.ثمّ في بيروت ظلّت اللغةُ لي، لكنّ المدينة علّمتني باكراً،أنّ اللغةَ وحدها لا تكفي كي يكون للمرء مكان.من الحمراء إلى مار إلياس، كنتُ أعبرُ الشوارعَوفي أصابعي حبرُ المطابع،وأنا أعرف أسماء الأزقّة وروائح الأفران،وصوتَ البحر حين يُسمع من بعيد،ولا أعرف إن كان العابرُ يصبح ابنَ المدينة،لمجرّد أنّه حفظ طرق أزقّتها الضيّقة.ثمّ في بلاد الجرمان،صار للخبزِ اسمٌ آخر، وللشارعِ اسمٌ آخر،والخوفُ يحتاج إلى استمارةٍ وتوقيع موظّفٍ، لا يعرفلماذا ترتجف اليدُ التي أمامه.كنتُ أعرف كيف أقول لأمّي إنّني خائف،ولا أعرف كيف أشرح للموظّف، لماذا لا تصلح خانةٌ واحدةلبلادٍ كثيرة عشتُ فيها.وأنا أعرف عشرات المرادفات للحزن،ولا أعرف الكلمةَ التي تجعل الطبيب يفهم أنّ شيئاً في صدري ينهار،من غير أن يكون القلب هو المريض.فتعلّمتُ لغةً أخرى، كما يتعلّم الغريق شكلَ الحبل،كلمةً فكلمةً، حتى صار لي فمٌ جديد.لكنّ فمي الأوّل، ظلَّ في مكانٍ ما، بين مدينتي البعيدة وبيروت، يناديني بأسماء لا يسمعها أحد.***وعندما ولجتُ البوابة الثالثة،نزعتُ عن كتفي كاهل المدن التي مررتُ بها.بيروت، برائحة الحبر والبحر،والشقق التي عشتُ فيها أعواماً، من دون أن أعرف إن كنتُ مقيماً أم مؤجّلاً.أربيل، بقلعتها المرتفعة فوق المدينة، وشوارعها العريضة،والبيت الذي جمع غرباءَ، كان كلُّ واحدٍ منهم ينظر إلى مدرج المطارأكثر ممّا ينظر إلى وجوه الجيران.دريسدن، والإلبه يشقُّها بهدوء، كأنّ الماءلا يعرف شيئاً عن الرجال الذين يصلون المدنَ متأخّرين.وبراغ، التي مررتُ في شوارعها وكأنّني أعرفها من حلمٍ قديم،وبرن، حيث يلتفُّ الآر حول المدينة، أخضرَ وبارداً، كذراعٍ، لا تعرف،إن كانت تحمي المكان أم تمنعه من الرحيل.تدحرجت المدنُ خلفي،الأرصفة، الأبواب الحديديّة، المحطّات التي نام فيها غرباءورؤوسهم على حقائبهم، والغرف التي لم نعلّق فيها الصور،لأنّنا كنّا نقول دائماً: سنرحل قريباً،ولكنّنا لم نرحل.*** وعند البوابة الرابعة، قالت امرأةٌ بوجهٍ من حجر:"اتركْ ما أحببتَ خلفك".فأخرجتُ من صدري امرأةً،لم أعرف قطُّ إن كانت تقف في داخله،أم أنّني بنيتُ لها غرفةً هناك، ثمّ نسيتُ أن أسألها، إن كانت تريد السكن فيها، ثمّ وضعتُها على الأرض.لم تبكِ، ولم تقل شيئاً، بل كانت تنظر إليّ،كما تنظر الآلهةُ القديمة إلى البشر،حين يطلبون منها أكثر ممّا وعدتهم به.مددتُ يدي إليها، فانطفأ بيننا مصباحٌ صغير.وعرفتُ أنّ الظلام لا يعني دائماً،أنّ أحداً أطفأ النور.*** عند البوابة الخامسة كان النهر يهدر؛ رأيتُه مرّةً عند الآر،يمضي تحت الجسور، من غير أن يحتفظ بصورة لأحد،ورأيتُه في الإلبه، حين كان البرد يترك على الماء ضوءاً شاحباً،وفكّرتُ في دجلة، الذي بقي بعيداً عن ناظريّ، وفي أنهارٍ كثيرة،كانت تمرّ قريباً من حيواتنا من غير أن نستطيع النزول إليها.لكنّ النهرَ الذي وقفتُ أمامه هذه المرّة كان أقدم من الخرائط،أسودَ، ثقيلاً، تسير فوقه أسماءُ الموتى مثل أوراقٍ يابسة.هناك رأيتُ فتاةً لم أرَها في حياتي.كانت تجلس على الضفّة الأخرى،وتحمل بين يديها اسماً أثقل من جسدها.قال لي رُبّانُ السفينة: "لا تنادِها؛الموتى، حين يسمعون أسماءهم، يظنّون للحظة،أنّ الطريق إلى الأعلىما زال مفتوحاً".لكنّ الاسم عبر وحده، دخل في كتاب،ثمّ في صوت امرأة، ثمّ في ليالٍ طويلة،كنّا نكتب فيها كي لا يموت ما لا نملك القدرة على إحيائه.وفوق الماء، كانت إريشكيغال تعدُّ موتاها بهدوء، واحداً فواحداً،وكأنّ الفقدَ مهنةٌ قديمة لا تحتاج إلى قلب يشعر.*** عند البوابة السادسة طلبوا منّي المستقبل.أخرجتُه من جيبي؛ بيتاً بنوافذ كبيرة وطاولةً لشخصين،في مدينةٍ لا أعرف شوارعها بعد، ووظيفةً لم أحصل عليها،وسريراً لم أنم فيه، وامرأةً كانت تضحك في الصورة،بطريقةٍ جعلتني أظنّ، أنّها ستبقى فيها إلى الأبد.كانت الخرائطُ مبسوطةً أمامي: خطٌّ يعود إلى بلادي القصيّة،خطٌّ يهبط إلى هجرتي الأولى نحو البحر، وآخرُ يتّجه شرقاً نحو الصحراء،وخطوطٌ رفيعةٌ تتفرّع بين مدن القارة العجوز، حتى تصل إلى ضفاف ا