قد تنجح إيران في انتزاع تنازل من واشنطن تحت ضغط التصعيد، لكن ثقة جيرانها لن تعود بالطريقة نفسها. هذه هي المعضلة التي تتركها الاعتداءات على الدول العربية وراء الحسابات العسكرية المباشرة. فكل ضربة قد تضيف ورقة إلى التفاوض، لكنها تضيف أيضاً سبباً للخوف من السياسة الإيرانية، وتراكم كلفة ستبقى حاضرة بعد توقف الحرب واستئناف العلاقات الدبلوماسية. تمنح الهجمات الحوثية على السعودية هذه المعضلة وجهاً ملموساً. فاستهداف المطارات وتعطيل حركة الطيران وإيقاع الضحايا تنقل المواجهة إلى الحياة اليومية، حيث يصبح السفر والعمل والاطمئنان إلى سلامة العائلة جزءاً من الخسائر. وقد أظهرت الهجمات الأخيرة على مطار الرياض هذا التداخل بين التصعيد العسكري والإضرار بحركة المدنيين ومصالحهم. يمكن قراءة هذا التصعيد ضمن إستراتيجية توسيع الكلفة الإقليمية للمواجهة مع الولايات المتحدة. فعندما تتعرض الطاقة والتجارة والملاحة للخطر، تصبح للدول والشركات المتضررة مصلحة ملحّة في وقف التصعيد، ويُراهن على انتقال هذا الضغط إلى واشنطن. وقد رصدت تقارير عن المواجهة توظيف طهران الممرات البحرية وأصول الطاقة والجبهات المرتبطة بها لتعزيز قدرتها على الضغط. لكن هذه المقاربة تحمل تصوراً مقلقاً لمكانة الدول العربية. فهي تجعل أمنها قابلاً للمقايضة ضمن نزاع لا تختزل علاقاتها بواشنطن كل أبعاده. وبذلك، تصبح سلامة الجوار معلّقة على نتائج التفاوض بين قوتين أخريين، وكأن سيادة هذه الدول ومصالح سكانها موارد متاحة للاستخدام عند الحاجة. هنا يكتسب وصف "الرهينة" معناه السياسي، حين يُربط رفع الخطر عن طرف باستجابة طرف آخر للمطالب. وللدقة، لا يمكن اختزال الحوثيين في تنفيذ أوامر إيرانية مباشرة، أو إلغاء حساباتهم اليمنية الخاصة. فالمواجهة تشمل صراعاً محلياً. غير أن هذا التعقيد لا يلغي التقاطع الاستراتيجي بين الطرفين، ولا يعفي إيران من تبعات دعم قوة مسلحة تستهدف جوارها، بينما تعلن هي رغبتها في بناء علاقات مستقرة معه. المشكلة في هذه السياسة تتجاوز قسوتها المباشرة إلى تصورها لليوم التالي. فالقدرة على تعطيل أمن الآخرين قد تفرض حضوراً على طاولة التفاوض، لكنها لا تنتج قبولاً إقليمياً مستداماً. وبعد انتهاء المواجهة، ستحتاج إيران إلى جوار تتبادل معه التجارة وتتعاون معه لضبط الأزمات. وسيكون عليها التعامل مع حكومات ومجتمعات باتت تملك أسباباً إضافية للاعتقاد بأن أمنها قد يُستهدف مجدداً عند أول خلاف كبير. من هنا، تبدو المخاوف الخليجية القديمة أكثر رسوخاً. فقد أتاح التقارب السعودي الإيراني اختبار إمكان تجاوز الخصومة، ونصّ اتفاق بكين عام2023 على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. حمل ذلك وعداً بإدارة الخلافات ضمن قواعد أوضح، لكن الأزمات هي التي تكشف مدى قدرة هذه القواعد على الصمود حين تتعارض مع حسابات القوة. ما تعزّزه الحرب هو أن أزمة الثقة لم تكن مجرد مشكلة في الخطاب أو نقص في التواصل. لقد ارتبطت بخشية فعلية من استخدام القوة المباشرة أو الجماعات المسلحة لتعديل سلوك الجيران. وحين يتجدد هذا النمط، تكتسب تلك الخشية سنداً إضافياً. لا يجعل ذلك كل قراءة خليجية سابقة صحيحة بالضرورة، لكنه يضعف الرأي القائل إن التوجس من إيران كان وهماً يمكن تبديده بمجرد استعادة العلاقات. ولا يعني هذا أن الانفتاح على طهران كان خطأ. فالدبلوماسية ضرورة، ونجاحها لا يُقاس بمنع جميع الأزمات. إلا أن التجربة تفرض التمييز بين استئناف الاتصال وإعادة بناء الثقة. تستطيع الحكومات فتح السفارات بسرعة نسبية، بينما يتطلب الاطمئنان إلى سلوك الطرف الآخر وقتاً واختبارات متكررة. وكل اعتداء يجعل كلفة الاختبار التالي أعلى، ويضعف موقع من يدافعون عن جدوى التقارب. وقد تنتج السياسة الإيرانية استجابة تناقض أهدافها. فكلما تعاظم شعور الدول الخليجية بالتهديد، ازدادت دوافعها إلى التسلّح وتعزيز الشراكات الأمنية الخارجية. وإذا كانت طهران تعترض على الحضور العسكري الأميركي في المنطقة، فإن تعريض أمن جيرانها للخطر قد يمنح هذا الحضور مبرراً إضافياً للاستمرار. وبذلك، تساهم في تعميق اعتمادهم على الحماية التي تريد تقليصها. أما تجاوز هذا المأزق بعد الحرب، فيبدأ بإقرار أن الاتفاق الأميركي الإيراني، مهما اتسع، لا يكفي وحده لترميم العلاقات العربية الإيرانية. للدول المتضررة مطالبها الأمنية ومسؤوليتها تجاه سكانها، ويجب أن تكون طرفاً أصيلاً في أي ترتيبات تخص أمنها. ومن شأن تجاوزها في التسويات أن يعيد إنتاج المشكلة نفسها، أي التعامل معها باعتبارها موضوعاً للتفاوض بين الآخرين. وتحتاج استعادة الثقة إلى مسار تدريجي يربط التعاون بالتزام ملموس. يشمل ذلك وقف الاعتداءات، وضمانات متبادلة لحماية السيادة والمنشآت المدنية والملاحة، والتزامات قابلة للتحقق بشأن دعم الجماعات المسل