بعد نحو سبع سنوات على الانهيار المالي الذي جمّد ودائع اللبنانيين وأطاح الثقة بالقطاع المصرفي، يعود قانون الفجوة المالية إلى واجهة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وسط حديث حكومي عن تقدم في التفاهمات وحصر النقاش بثلاث مسائل أساسية. لكن خلف هذا التقدم المعلن، يبقى السؤال الأكثر حساسية: من سيتحمل خسائر الانهيار، ومتى يستعيد المودعون أموالهم، وبأي قيمة فعلية؟ فالتصريحات الأخيرة لوزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، من بانكوك حيث تُعقد اجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي، كشفت أن المفاوضات لم تعد تتمحور، وفق التقييم الحكومي، حول المبادئ العامة لقانون الفجوة، بل حول آليات تطبيقه وتوزيع الأعباء الناتجة عنه. وأكد البساط وجود توافق عام بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد ومصرف لبنان، مشيراً إلى أن النقاشات المتواصلة تتركز على ثلاث مسائل: توزيع خسائر القطاع المصرفي، وآليات إعادة الودائع وجدولة تسديدها، وحجم مساهمة الدولة في إعادة الهيكلة. غير أن وصف هذه النقاط بأنها تقنية لا يقلل من أهميتها، إذ إن كل واحدة منها تحمل انعكاسات مباشرة على حقوق المودعين ومستقبل المصارف والمالية العامة، وقد تحدد في نهاية المطاف من سيدفع الثمن الأكبر للأزمة. العقدة الأولى تتعلق بتوزيع الخسائر. فمنذ اندلاع الأزمة أواخر عام 2019، ظل الخلاف قائماً حول المسؤولية المالية التي تقع على الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية ومساهميها. ويصر صندوق النقد على احترام التسلسل القانوني لتحميل الخسائر، بحيث لا يتحمل المودعون خسائر قبل المساهمين وأصحاب المطالبات الأدنى مرتبة. وهذا المبدأ، على وضوحه، يفتح باباً واسعاً من الأسئلة حول حجم الخسائر الفعلية في كل مصرف، وقدرة المساهمين على إعادة تكوين الرساميل، ومصير المؤسسات التي لا تستطيع الاستمرار، فضلاً عن كيفية التعامل مع موجودات مصرف لبنان والتزاماته تجاه المصارف. أما العقدة الثانية، وهي الأكثر التصاقاً بحياة اللبنانيين، فتتعلق بكيفية إعادة الودائع. فقد تحدثت الصيغ الحكومية المطروحة عن تسديد الودائع التي لا تتجاوز 100 ألف دولار نقداً على أربع سنوات، فيما يجري التعامل مع المبالغ الأكبر عبر ترتيبات طويلة الأجل، من بينها أوراق مالية مرتبطة بموجودات مصرف لبنان. لكن الفارق كبير بين الوعد القانوني بالسداد والقدرة الفعلية على توفير السيولة. فحتى لو حُددت المهل والنسب، فإن نجاح أي آلية يبقى مشروطاً بتوافر الموارد المالية اللازمة لتنفيذها، وبقدرة القطاع المصرفي على الوفاء بالتزاماته من دون إنتاج أزمة جديدة. وفي هذا السياق، قدّر البساط إجمالي الودائع بنحو 80 مليار دولار، فيما أوردت تقارير اقتصادية تقديرات لخسائر النظام المالي تناهز 70 مليار دولار. والرقمان لا يمثلان المؤشر نفسه؛ فالأول يتعلق بحجم الودائع، والثاني بتقدير الخسائر، ولا يجوز التعامل معهما باعتبارهما قيمة واحدة أو احتساب الفارق بينهما أموالاً متاحة تلقائياً للسداد. وتشير تقديرات نقلتها تقارير اقتصادية عن مصرفيين إلى أن تسديد الودائع ضمن شريحة 100 ألف دولار قد يحتاج إلى نحو 22 مليار دولار، وهي تقديرات تستند إلى سيناريوهات محددة ولا تشكل رقماً نهائياً أقره صندوق النقد أو التزمت الدولة بتوفيره. وهنا تكمن المشكلة الأساسية: هل ستستند خطة إعادة الودائع إلى سيولة متاحة فعلاً، أم إلى أصول وأوراق مالية ترتبط قيمتها وقدرتها على السداد بأداء الاقتصاد خلال السنوات المقبلة؟ أما العقدة الثالثة فتتعلق بمساهمة الدولة اللبنانية في عملية إعادة الهيكلة، وهي مسألة لا تقل تعقيداً عن سابقتيها. فبحسب البساط، ثمة تفاهم على مبدأ مشاركة الدولة، لكن البحث لا يزال يتناول حجم التزامها، والفوائد المترتبة عليه، وآجال الاستحقاق. وتكتسب هذه النقطة أهمية استثنائية في ظل الأعباء التي تتحملها الخزينة، ولا سيما مع ارتفاع حاجات إعادة الإعمار والخدمات الأساسية والإنفاق الاجتماعي نتيجة التطورات الأمنية والحرب. فأي التزام مالي جديد تتحمله الدولة لمعالجة الخسائر المصرفية يجب أن ينسجم مع قدرتها على خدمة الدين وتمويل نفقاتها، وإلا فإن محاولة حل أزمة الودائع قد تتحول إلى مصدر ضغط إضافي على المالية العامة، بما قد ينعكس على الضرائب والخدمات والاستقرار الاقتصادي. وقد شدد صندوق النقد، في بيانه الصادر في 18 أيلول، على ضرورة أن تكون خطة إعادة الودائع متوافقة مع قدرة المصارف على الاستمرار واستدامة الدين العام، وأن تحترم ترتيب الحقوق بين المساهمين والدائنين والمودعين. ولا تقف التعقيدات عند حدود قانون الفجوة. فقد أضاف طعن رئيس الجمهورية جوزاف عون بالمادة الثالثة من قانون إصلاح أوضاع المصارف وإعادة تنظيمها بعداً دستورياً إلى الملف، بعدما أحال مسألة تتعلق بصلاحيات مصرف لبنان واستقلاليته إلى المجلس الدستوري. وأوضحت الم