تصاعدت اليوم نبرة التهديدات الإسرائيلية للبنان، في شكل سافر، وفي أعلى سقف لها منذ سنوات، مع إعلان بنيامين نتنياهو عن السعي إلى القضاء على حماس وحزب الله خلال عامين، فيما كان وزير الأمن يسرائيل كاتس يذهب أبعد من ذلك في تهديد لبنان، إذ لوح بضربات كارثية تصل إلى تهجير أكثر من مليون شيعي وإخلاء الضاحية والجنوب حتى نهر الأولي، في حال انضمام حزب الله إلى أي مواجهة كبرى محتملة مع إيران. وما أعلنته إسرائيل اليوم يتجاوز حدود القواعد التقليدية للردع، ليرسم ملامح عقيدة جيو- ديموغرافية تهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة اللبنانية بالنار. فالتلويح بإخلاء الجنوب والضاحية وقطع مساحات واسعة وصولاً إلى الأولي، لا يعكس فقط رغبة إسرائيلية في إنشاء "منطقة أمنية دائمة"، بل يضع حزب الله ومجتمعه الحاضن أمام خيار كارثي: إما التورط في حرب إقليمية مدمرة دفاعاً عن المحور الإيراني، ما يمنح إسرائيل الذريعة لتنفيذ تهجير واسع النطاق وتدمير ما تبقى من بنى تحتية، وإما البقاء خارج أتون الحرب الشاملة. وفي الموازاة، يعلق لبنان الرسمي آماله على موعد تامبا- فلوريدا المفترض ومحاولات استخراج البدائل لملء الفراغ الوشيك لقوات "اليونيفيل". وعكست اليوم لقاءات بعبدا وعين التينة والسراي وقائد الجيش، مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا، حالة من "العجز الاستباقي". فرئيس الجمهورية جوزاف عون يراهن على خيار المفاوضات الثلاثية باعتباره الممر الإجباري الوحيد لتجنب الدمار الشامل، وتعنت إسرائيل في ربط أي انسحاب بنزع السلاح الكلي. وشكّلت اجتماعات لاكروا إقراراً بأن انتهاء ولاية القوات الدولية سيخلق "فراغاً أمنياً مميتاً". وبينما يسعى لبنان جاهداً للحصول على تمديد مؤقت أو صيغة بديلة تحت مظلة مجلس الأمن، تتصادم هذه المساعي مع الشروط الدولية الصارمة التي تربط أي مظلة أمنية أو أموال لإعادة الإعمار بتنفيذ خطة واضحة لنزع سلاح حزب الله وبسط سلطة الجيش وحدها. ويتجلى التخبط اللبناني في ازدواجية الاتصالات والرسائل السياسية. فبينما تلقى رئيس الجمهورية اليوم اتصالاً من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، تستمر الدولة في محاولات حثيثة لترميم جسورها مع محيطها العربي والدولي عبر التمسك بالشرعية الأممية ورفض الخروج عن القانون الدولي. وبين حركة الاتصالات التي تراوح مكانها، ووعيد نتنياهو وكاتس بالتدمير والتهجير، يبدو رهينة مسار كارثي مفروض عليه. لا يمكن فصل التهديدات الإسرائيلية الجديدة عن التحوّل الأوسع في مقاربة تل أبيب للحدود اللبنانية. فالمسألة لم تعد محصورة بمنع "حزب الله" من إعادة بناء قدراته العسكرية، بل باتت تتجاوز السلاح إلى الأرض والسكّان وشروط العودة إليها. وهنا تكمن خطورة التصعيد، إذ تتحوّل الجغرافيا اللبنانية، في الحسابات الإسرائيلية، من مساحة تخضع لسيادة دولة إلى نطاق أمنيّ يُعاد تحديد وظائفه وحدوده وفق مقتضيات الأمن الإسرائيلي. ويكتسب تهديد كاتس بإخلاء مناطق واسعة وصولًا إلى نهر الأوّلي دلالته من كونه يوسّع نطاق العقاب المحتمل إلى ما يتجاوز مناطق الاشتباك المباشر. فإسرائيل لا تتوعّد بملاحقة مواقع عسكرية فحسب، بل تلوّح باقتلاع كتلة سكّانية من بيئتها، بما يجعل المدنيّين جزءًا من معادلة الضغط على الحزب. والأخطر أنّ التهديد بالتهجير، بصرف النظر عن إمكان تنفيذه وحجمه، يُستخدم أداةً سياسيةً لإرغام لبنان على التعامل مع الحرب الإقليمية بوصفها خطرًا وجوديًّا، لا مجرّد احتمال عسكريّ. وفي هذا السياق، يضع نتنياهو سقفًا زمنيًّا واسعًا لمواجهة "حماس" و"حزب الله" وإيران، بما يوحي بأنّ إسرائيل لا تتعامل مع الجبهة اللبنانية كملفّ منفصل، بل كحلقة ضمن مشروع إقليميّ لإعادة ترتيب موازين القوى. لكنّ الفارق بين إعلان الأهداف والقدرة على تحقيقها يبقى كبيرًا، فيما يُراد للتهديدات أن تنتج مفاعيلها السياسية والنفسية قبل أيّ تحرّك ميدانيّ. ما يمنح هذه التهديدات بُعدًا أكثر خطورة هو أنّ الوقائع الميدانية تُظهر أنّ تغيير الخريطة السكّانية لم يعد احتمالًا نظريًّا. فقد كشفت مراجعة أجرتها صحيفة "نيويورك تايمز"، استنادًا إلى صور الأقمار الاصطناعية وأدلّة بصرية، أنّ 48 قرية وبلدة من أصل نحو 60 في المنطقة الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي تعرّضت لدمار واسع، شمل المنازل والبنى التحتيّة والأراضي الزراعية. ولفت التقرير إلى أنّ القرى الأكثر تضرّرًا تكاد تكون جميعها ذات غالبية شيعية، بينما نجت قرى أخرى تقطنها غالبية مسيحية أو سنّية أو درزية من مستويات مماثلة من الدمار. ويثير هذا التفاوت مخاوف جدّية من أن تتحوّل نتائج العمليات العسكرية إلى تغيير ديموغرافيّ طويل الأمد، خصوصًا مع استمرار منع أعداد كبيرة من النازحين من العودة، وتوسيع المواقع العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. وليست المس