تتزايد المخاوف من دخول جنوب لبنان مرحلة أمنية شديدة الحساسية مع اقتراب انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، في ظل غياب أي اتفاق على القوة التي قد تحلّ مكانها، واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مساحات واسعة من الجنوب، وسط تحذيرات أممية من تداعيات الفراغ المحتمل على الاستقرار ومنع التصعيد. وكشف وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، أن أسئلة أساسية لا تزال من دون إجابات بشأن مستقبل الجنوب بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل" في نهاية عام 2026، مؤكداً أن أي قرار لم يُتخذ حتى الآن حول طبيعة الوجود الأممي الذي قد يخلفها. وبحسب تقرير للصحافية آبي سيويل في وكالة "أسوشيتد برس"، أوضح لاكروا، خلال زيارة إلى بيروت، أن المسؤولين اللبنانيين أجمعوا على ضرورة الإبقاء على وجود للأمم المتحدة يتولى مراقبة الانتهاكات وتوثيقها، ويساهم في تخفيف التوتر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. وأشار إلى أن عدة خيارات مطروحة لإنشاء قوة بديلة، لكن القرار النهائي لم يُحسم، متوقعاً انطلاق مفاوضات جدية داخل مجلس الأمن قريباً، على أن يصدر القرار قبل انتهاء الولاية الحالية. وشدد لاكروا على ضرورة أن يكون صوت السلطات اللبنانية مسموعاً بوضوح خلال المفاوضات. وكان مجلس الأمن قد قرر في آب 2025 إنهاء ولاية "اليونيفيل" مع نهاية عام 2026، استجابةً لمطالب الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين اتهمتا القوة الدولية بالإخفاق في منع تعزيز القدرات العسكرية لـ"حزب الله" في جنوب لبنان. إلا أن المشهد الأمني تبدّل بصورة كبيرة منذ اتخاذ القرار، خصوصاً بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية الأخيرة مع "حزب الله" في آذار، وما أعقبها من وقف هش لإطلاق النار. ورغم هذا التفاهم، لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على مساحات واسعة من الجنوب، ويواصل عمليات الهدم والغارات التي يقول إنها تستهدف منشآت تابعة لـ"حزب الله"، لكنها أدت أيضاً إلى تدمير آلاف المنازل، وصولاً إلى محو قرى كاملة في بعض المناطق. وفي المقابل، يرفض "حزب الله" التخلي عن سلاحه، فيما تتصاعد المخاوف من تجدد الحرب، ولا سيما إذا اندلعت مواجهة جديدة بين إيران وإسرائيل. وفي هذا السياق، حذّر رئيس الجمهورية جوزاف عون، عقب لقائه لاكروا، من أن انسحاب "اليونيفيل" سيؤدي إلى فراغ تترتب عليه تداعيات سلبية على أمن المنطقة، ويترك الجنوب من دون رقابة دولية على التطورات الميدانية. وتبرز خطورة الانسحاب في طبيعة المهمات التي تؤديها القوة الدولية حالياً، إذ لا يقتصر دورها على مراقبة الخط الأزرق وتسجيل الانتهاكات، بل يشمل أيضاً مرافقة قوافل المساعدات وتسهيل تنقل المدنيين الذين لا يزالون يعيشون في جيوب سكانية ضمن المناطق الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، والمحددة بما يسميه الجيش الإسرائيلي "الخط الأصفر". ولم يتضح بعد من سيتولى هذه المسؤوليات بعد مغادرة "اليونيفيل". وكشف لاكروا أن قوة المراقبين العسكريين غير المسلحين التابعة للأمم المتحدة، والمعروفة باسم "UNTSO"، ستبقى في المنطقة، لكنه طرح تساؤلاً أساسياً حول قدرتها على العمل من دون البيئة الأمنية التي يوفرها الوجود العسكري الأممي. كما شدد على الدور الذي يؤديه عناصر حفظ السلام في التنسيق الميداني ومنع الاحتكاكات غير المقصودة بين الجنود اللبنانيين والإسرائيليين، بما يساهم في تفادي التصعيد. أما الاتحاد الأوروبي، فقد أعلن خططاً لإنشاء "بعثة دعم" جديدة للبنان، لكنها ستقتصر على تدريب الجيش اللبناني والقوى الأمنية، من دون أن تتولى مهمات الدوريات أو مراقبة الانتهاكات في المنطقة الحدودية، وهو ما يجعلها غير قادرة على تعويض الدور الحالي لـ"اليونيفيل". وتعود بداية انتشار القوة الدولية إلى عام 1978، عندما أُنشئت لمراقبة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، قبل أن يتوسع دورها بعد حرب تموز 2006 لتشمل مراقبة تطبيق القرار 1701. وبعد وقف إطلاق النار الذي أنهى حرب عام 2024، شاركت "اليونيفيل" في آلية مراقبة تنفيذ الاتفاق إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا ولبنان وإسرائيل، غير أن دور هذه الآلية تراجع بصورة كبيرة، خصوصاً بعد اندلاع الحرب الجديدة في آذار. وتضم القوة الدولية حالياً نحو 7,500 عنصر من 46 دولة، بعدما كان عددهم يقارب 10,000 عنصر في ذروة انتشارها. وبموجب القرار الحالي، ستُمنح مهلة سنة بعد انتهاء ولايتها لاستكمال عملياتها والانسحاب. وبين المساعي اللبنانية لانتزاع تمديد أخير لم تحقق نجاحاً حتى الآن، والبحث الدولي عن صيغة بديلة لم تتبلور بعد، يبقى جنوب لبنان أمام معادلة بالغة التعقيد: قوة دولية تستعد للمغادرة، واحتلال إسرائيلي مستمر، ومخاوف من عودة الحرب، فيما لا يزال مصير الجهة التي ستراقب الحدود وتمنع الاحتكاكات بعد رحيل "اليونيفيل" مجهولاً.