في خطوة عسكرية جديدة تعكس سعي بيونغ يانغ إلى تطوير قدراتها الهجومية من البحر، أعلنت كوريا الشمالية إجراء تجربة إطلاق لنوعين من صواريخ كروز الاستراتيجية القابلة للإطلاق من الغواصات، في توقيت يتزامن مع ارتفاع منسوب التوتر في شبه الجزيرة الكورية وتصاعد سباق التسلح بين الشمال والجنوب. أفادت وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية الرسمية بأن الصواريخ أُطلقت باتجاه بحر الشرق، المعروف أيضًا باسم بحر اليابان، مؤكدة أن التجربة لم تؤثر سلبًا على أمن الدول المجاورة. وبحسب الوكالة، نُفذت عملية الإطلاق ضمن تدريبات للبحرية الكورية الشمالية، بهدف التحقق من مستوى الجاهزية العملياتية للأنظمة القتالية العاملة تحت الماء، مشيرة إلى أن الاختبارات أثبتت، وفق تعبيرها، "الموثوقية العالية والقدرة" التي تتمتع بها وسائل الردع الحربي لدى كوريا الشمالية. تكتسب التجربة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة السلاح المستخدم، إذ تشكل الصواريخ القادرة على الانطلاق من الغواصات عنصرًا مهمًا في أي منظومة ردع عسكرية، لأنها تتيح إطلاق الصواريخ من مواقع بحرية متحركة يصعب رصدها أو تحديد مكانها مسبقًا. ورغم أن كوريا الشمالية نفذت خلال السنوات الماضية عددًا من عمليات إطلاق الصواريخ من الغواصات، فإن حجم قدراتها الفعلية على تنفيذ عمليات إطلاق موثوقة ومستدامة من البحر لا يزال غير محسوم بصورة كاملة. وتختلف صواريخ كروز عن الصواريخ البالستية في طبيعة حركتها ومسارها، إذ تعتمد على الدفع النفاث وتحلق عادة على ارتفاعات منخفضة، ما يجعل رصدها واعتراضها أكثر صعوبة بالنسبة إلى منظومات الدفاع الجوي والصاروخي. وفي حال نجاح كوريا الشمالية في تثبيت قدرتها العملياتية على إطلاق هذا النوع من الصواريخ من الغواصات، فإن ذلك قد يفتح أمامها مجالًا أوسع لنشر أسلحتها خارج حدود شبه الجزيرة الكورية، ويمنحها مرونة أكبر في اختيار مواقع الإطلاق ومسارات الهجوم. ونشرت وكالة الأنباء الكورية الشمالية صورًا للتجربة، أظهرت صاروخًا ينطلق عموديًا من سطح البحر وسط عمود كثيف من الدخان، فيما أظهرت صورة أخرى مقذوفًا ينطلق من المياه بزاوية تقارب 45 درجة. كما تضمنت الصور مشاهد لصاروخ يحلق أفقيًا فوق البحر، إلى جانب غواصة ظهرت طافية على السطح، في محاولة لإبراز تعدد طرق الإطلاق والقدرات التشغيلية التي تقول بيونغ يانغ إنها باتت تمتلكها. وفي قراءة عسكرية لهذه التقنية، أوضح هونغ مين، الباحث في المعهد الكوري للتوحيد الوطني في كوريا الجنوبية، أن القدرة على إطلاق الصواريخ بزوايا مختلفة تحمل أهمية تكتيكية واضحة. بحسب هونغ، تسمح عمليات الإطلاق العمودي للصاروخ بالصعود بزاوية حادة قبل الانتقال نحو الهدف، الأمر الذي قد يساهم في زيادة مداه وتحسين قدرته على الوصول إلى أهداف بعيدة. في المقابل، تتيح عمليات الإطلاق المائلة للصاروخ التحليق على ارتفاعات منخفضة منذ اللحظات الأولى، ما قد يقلّص الوقت المتاح لأنظمة الدفاع الصاروخي لرصده والتعامل معه. وتأتي هذه التجربة في وقت تشهد فيه شبه الجزيرة الكورية تصعيدًا متواصلًا، بعد أسابيع من التوتر المتزايد بين كوريا الشمالية وجارتها الجنوبية على خلفية انفجار لغم أرضي على الحدود المشتركة بين البلدين. كما تندرج الخطوة الجديدة ضمن حراك عسكري متسارع تنفذه بيونغ يانغ، إذ أجرت كوريا الشمالية خلال الفترة الأخيرة سلسلة تجارب على صواريخ بالستية وأنظمة تسليح مختلفة، في إطار جهودها المستمرة لتوسيع قدراتها الهجومية والردعية. وفي المقابل، تواصل كوريا الجنوبية بدورها تعزيز ترسانتها العسكرية وتطوير تقنياتها الصاروخية، إذ أعلن المكتب الرئاسي في سيول تنفيذ أول اختبار إطلاق لصاروخ فرط صوتي مطور محليًا. وجاء الإعلان الكوري الجنوبي بعد أيام من اختبار كوريا الشمالية صاروخًا فرط صوتي متوسط المدى في 3 تشرين الأول، وهو اختبار قالت بيونغ يانغ إنه تضمن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وبذلك، لا تبدو التجربة الأخيرة مجرد اختبار تقني منفصل، بل حلقة جديدة في سباق تسلح متصاعد بين الكوريتين، مع انتقال المنافسة تدريجيًا من الصواريخ البرية التقليدية إلى الأنظمة الفرط صوتية والأسلحة البحرية والصواريخ القادرة على الانطلاق من تحت سطح البحر. يفتح هذا التطور الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا في التوازن العسكري في المنطقة، إذ إن امتلاك قدرة موثوقة على إطلاق صواريخ كروز من الغواصات يمنح بيونغ يانغ أدوات إضافية للتحرك والمناورة، ويجعل مهمة رصد قدراتها العسكرية واعتراضها أكثر صعوبة.