فيما تتصاعد التهديدات الإسرائيلية للبنان، وتتّسع احتمالات المواجهة الإقليمية، تبدو المساعي الدبلوماسية اللبنانية محكومةً بمراوحة سياسية وعسكرية، وسط تضارب المعلومات بشأن مصير مفاوضات تامبا، واستمرار إسرائيل في فرض شروطها الميدانية. وفي موازاة التلويح الإسرائيليّ بتوسيع الاحتلال وتهجير أكثر من مليون لبنانيّ، يتمسّك رئيس الجمهورية جوزاف عون بخيار التفاوض لتجنّب الحرب، فيما يفتح إعلان "حزب الله" برنامجًا جديدًا للإيواء والتعويضات مواجهةً سياسية ومالية مع واشنطن، التي تربط إعادة الإعمار بنزع سلاح الحزب. أمّا داخليًّا، فتتقدّم ملفّات إعادة الإعمار وتهريب المتفجّرات على جدول الاهتمامات الحكومية والأمنية. تهديدات إسرائيلية بالتهجير وتوسيع الاحتلال تلقّى رئيس الجمهورية جوزاف عون اتصالًا هاتفيًّا من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، جرى خلاله التداول في الأوضاع الراهنة في المنطقة، في ضوء التطوّرات الأخيرة. واتّفق الجانبان على ضرورة دعم الحلول الدبلوماسية، باعتبارها الخيار الأفضل لوضع حدّ للنزاعات الإقليمية. غير أنّ هذا التوجّه الدبلوماسي يتزامن مع تصعيد إسرائيليّ غير مسبوق في سقف التهديدات الموجّهة إلى لبنان. فقد توعّد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس "حزب الله" بضربة قاسية، في حال انضمامه إلى إيران في أيّ هجوم على إسرائيل، محذّرًا من أنّ الحزب سيفقد مزيدًا من الأراضي في الجنوب، وتحديدًا في مناطق النبطية والليطاني. وخلال زيارته جنودًا من الخدمة النظامية والاحتياط، المنتشرين في المناطق الأمنية داخل لبنان وسوريا، شدّد كاتس على أنّ الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من هذه المناطق، واضعًا بذلك استمرار الاحتلال ضمن المعادلة الأمنية التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها. ولم تقتصر تهديداته على المواقع العسكرية، بل طاولت الجغرافيا السكّانية اللبنانية، إذ أعلن أنّه "سيتمّ إخلاء جميع السكّان حتّى خطّ نهر الأوّلي ونهر الزهراني باتّجاه الشمال، لإتاحة المجال لتوجيه ضربة قويّة للبنى التحتية في المنطقة، وإبعاد تهديد الطائرات المسيّرة عن بلدات الشمال". وأضاف أنّه "سيتمّ أيضًا إخلاء الضاحية الجنوبية في بيروت واستهداف البنى التحتية فيها، وسيصبح أكثر من مليون شيعيّ نازحين داخل لبنان". وتتجاوز هذه التهديدات حدود الردع العسكريّ التقليديّ، إذ تربط إسرائيل بين أيّ تدخّل محتمل لـ"حزب الله" في مواجهة مع إيران وبين توسيع نطاق عملياتها داخل الأراضي اللبنانية، وصولًا إلى التهجير الجماعيّ وتدمير البنى التحتية، بالتوازي مع إعلان التمسّك بالمناطق التي تحتلّها. مفاوضات تامبا بين التأجيل والتضارب الأميركيّ في المقابل، تستمرّ المحاولات اللبنانية لاستيضاح مصير مفاوضات تامبا في ولاية فلوريدا، وسط تضارب المعطيات بشأن انعقادها أو تأجيلها. وتشير المعلومات التي نقلها السفير الأميركي ميشال عيسى إلى إرجاء الاجتماع الثلاثيّ العسكريّ إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفيّ الأميركية، ما يرجّح استمرار الجمود في المسار التفاوضيّ. وفي موازاة ذلك، لم يتوصّل اجتماع السفيرة اللبنانية في واشنطن مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية إلى صيغة نهائية بشأن آليّة التحقّق، أو أيّ من الملفّات العالقة المرتبطة باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان. لكنّ مديرة مكتب "الشرق" في واشنطن، هبة نصر، نقلت عبر منصّة "إكس"، عن مصادر، أنّ السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة زارت وزارة الخارجية الأميركية، حيث أجرت مباحثات تناولت آليّة التحقّق من تنفيذ الاتفاق الثلاثيّ. وأوضحت أنّ الاجتماع العسكريّ المقرّر عقده في فلوريدا بين 20 و22 تشرين الأوّل لا يزال قائمًا في موعده المحدّد. ويعكس هذا التضارب غياب الحسم بشأن مستقبل المفاوضات، فيما يبقى التصعيد الميدانيّ متقدّمًا على المسار الدبلوماسيّ المجمّد منذ آب الماضي، تاريخ انعقاد آخر جولة مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما. وفي سياق متّصل، لم يستبعد وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، أفيغدور ليبرمان، أن يُقدم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على عملية عسكرية ضدّ إيران أو حركة "حماس" أو "حزب الله"، قبل الانتخابات المقرّرة في 27 تشرين الأوّل الجاري. ونقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" عن ليبرمان قوله: "لا يساورني أدنى شكّ في أنّ نتنياهو يسعى بقوّة إلى القيام بخطوة عسكرية قبل الانتخابات، سواء ضدّ إيران أو حزب الله أو حماس". واتّهم نتنياهو بأنّ دوافعه لا ترتبط باعتبارات أمنية، بل برغبته في التمسّك بالسلطة. عون: المفاوضات لإنقاذ ما تبقّى من لبنان على المستوى الرسميّ، يتمسّك رئيس الجمهورية جوزاف عون بالمفاوضات، باعتبارها المسار الذي اختاره لبنان لإنهاء الاحتلال وتجنّب توسّع المواجهة، رغم استمرار الاعتداءات الإسرائيل