في وقت تتوالى فيه الأخبار عن إقفال فروع لمطاعم لبنانية في الخارج، من «كرم بيروت» في السعودية إلى «مروش» في لندن، مروراً بـ«السلطان إبراهيم» في الكويت و«The Cedar» في بريطانيا، تبرز تساؤلات حول حقيقة ما يجري: هل نحن أمام حالات فردية لا تعكس واقع القطاع، أم أن الضغوط الاقتصادية والتوترات الإقليمية بدأت تهدّد واحدة من أبرز قصص النجاح اللبنانية خارج الحدود؟ ولعل أهمية هذه التساؤلات تتجاوز مصير مطعم أو علامة تجارية بعينها، إذ تحوّلت المطاعم اللبنانية خلال العقود الماضية إلى إحدى أبرز قصص النجاح الاقتصادي اللبناني في الخارج، بعدما استطاعت نقل خبراتها وعلاماتها التجارية إلى أسواق عربية وأوروبية وعالمية. ولم يعد هذا الانتشار مجرد توسّع تجاري، بل شكّل بالنسبة إلى العديد من المؤسسات متنفساً مالياً، أو بمثابة «الأوكسجين» الذي يساعدها على مواجهة الأزمات المتلاحقة في لبنان. غير أن اللافت اليوم هو ما تكشفه معلومات خاصة حصل عليها موقع "Lebanon Debate" من أوساط أصحاب المطاعم اللبنانية في السعودية، ومفادها أن بعض أصحاب هذه المطاعم اضطروا، للمرة الأولى، إلى تحويل أموال من لبنان لدعم عملياتهم في المملكة والمحافظة على استثماراتهم واستمراريتها، بعدما كانت الأسواق الخارجية تشكّل مصدر دعم لأعمالهم في الداخل. وتطرح هذه الحالات تساؤلاً اقتصادياً بالغ الأهمية: هل بدأت الأسواق الخارجية، التي شكّلت طوال السنوات الماضية رئة مالية للمؤسسات اللبنانية، تحتاج بدورها إلى دعم من لبنان؟ وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل التوترات والحروب التي شهدتها المنطقة خلال عام 2026، وارتفاع تكاليف التشغيل والمواد الأولية والطاقة، وتراجع القدرة الشرائية في عدد من الأسواق. قصعة: لا موجة انسحابات… لكن أرقام الأعمال تتراجع حتى 25% في هذا السياق، يؤكد رئيس الجمعية اللبنانية لتراخيص الامتياز (الفرانشايز)، يحيى قصعة، في حديث خاص إلى «Lebanon Debate»، أن إقفال بعض فروع العلامات التجارية اللبنانية في الخارج لا يرقى، حتى الآن، إلى مستوى موجة انسحابات جماعية، موضحاً أن ما يجري يندرج ضمن حالات فردية تشمل إقفال فروع، أو تقليص العمليات التشغيلية، أو تجميد مشاريع التوسع. ويشير قصعة إلى أن العلامات التجارية اللبنانية العاملة في الخارج، ولا سيما في الأسواق الخليجية، تواجه تحديات تدفعها إلى إعادة تقييم استثماراتها ومصاريفها التشغيلية في ضوء التطورات الإقليمية والضغوط الاقتصادية، مشدداً على أن هذه التحديات لا تقتصر على المؤسسات اللبنانية، بل تطاول مختلف الشركات العاملة في المنطقة. ويكشف أن أرقام أعمال بعض المؤسسات تراجعت، منذ بداية العام، بنسبة تراوحت بين 20 و25%، بعدما كانت السنة الماضية قد شهدت انطلاقة مشجعة وضخاً لاستثمارات رأسمالية جديدة. ويرى أن خطورة المرحلة تكمن في تزامن الأزمات الداخلية والخارجية. فبعدما كانت الأسواق العالمية تشكّل متنفساً مالياً للعلامات التجارية اللبنانية، باتت هذه المؤسسات تواجه ضغوطاً متزامنة في السوق المحلية وأسواق انتشارها الخارجي، ما يحدّ من قدرتها على تعويض خسائر سوق من خلال أرباح سوق أخرى. ضغوط داخلية وخارجية… والأكلاف تزيد الأعباء على العلامات اللبنانية ولا تتوقف التحديات عند تراجع حركة الأعمال في الأسواق الخارجية، إذ يوضح قصعة أن المجموعات اللبنانية التي تدير أعمالاً في الداخل والخارج تواجه ضغوطاً متراكمة، تختلف طبيعتها بين السوق اللبنانية والأسواق العالمية. فعلى المستوى المحلي، يلفت إلى أن التضخم والرسوم الجديدة، ومنها الرسم البيئي، يرفعان الأكلاف على المؤسسات العاملة في لبنان، موضحاً أن زيادة بنسبة 3% على كلفة الاستيراد قد تؤدي إلى ارتفاع يتراوح بين 6 و7% في السعر النهائي للمنتج، نتيجة تراكم الأكلاف على امتداد سلسلة القيمة. أما على المستوى الخارجي، فيشير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية واضطراب سلاسل الإمداد يزيد الضغوط على الشركات العاملة في الأسواق العالمية، بما فيها العلامات التجارية اللبنانية المنتشرة خارج الحدود. ويوضح أن اضطرابات الإمدادات، ومنها تلك التي تطاول المواد الكيميائية، تؤخر وصول المواد الأولية وتؤثر في العمليات التشغيلية، ما يدفع الشركات إلى مراجعة مصاريفها وربحيتها وخططها الاستثمارية. ويشدد على أن هذه التحديات لا تقتصر على المطاعم اللبنانية في الخارج، بل تشمل قطاعات أخرى من العلامات التجارية، بينها التجزئة والأزياء والسلع الفاخرة. الاستثمارات الخليجية في العلامات اللبنانية… حذر وغياب الصفقات الكبيرة وفي ما يتعلق بمستقبل الاستثمارات الخارجية في العلامات التجارية اللبنانية، يذكّر قصعة بأن السنوات الماضية شهدت دخول صناديق استثمار أجنبية، ولا سيما خليجية، إلى مجموعات لبنانية، ما أتاح لها التوسع في أسواق جديدة وتعزيز ان