لم تعد الأزمة الاقتصادية في لبنان تقتصر على تراجع المداخيل وتآكل القدرة الشرائية، بل باتت تداعياتها تمتد إلى الأمن الغذائي والاجتماعي، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار واتساع الفجوة بين الأجور وكلفة المعيشة. ومع تراجع قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، لم يعد توافر السلع الغذائية في الأسواق كافيًا لضمان حصول المواطنين عليها، بعدما تجاوزت أسعارها إمكانات شرائح واسعة من المجتمع، ما يضع الأمن الغذائي أمام تحديات متزايدة. تكشف المؤشرات الاجتماعية حجم الضغوط التي تواجهها الأسر اللبنانية، إذ تشير بيانات حديثة لليونيسف إلى أن 4 من كل 5 أسر تواجه صعوبة في تأمين احتياجاتها الأساسية، فيما أفادت 22 % من الأسر بأن أطفالها ذهبوا إلى الفراش جائعين خلال الأسبوعين السابقين. كذلك، ذكرت 31 % من الأسر أن أطفالها لم يحصلوا على الرعاية الصحية التي يحتاجون إليها بسبب عدم القدرة على تحمّل كلفتها، في حين أفادت 14 % بوجود طفل واحد على الأقل منخرط في سوق العمل. وتعكس هذه الأرقام عمق التداعيات الاجتماعية للأزمة الاقتصادية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة الحرمان الغذائي وتراجع مستويات المعيشة. يؤكد أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة لـ "نداء الوطن"، أن "لبنان لا يواجه مجاعة حادة، وفق المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، لكنه يعاني أزمة هيكلية غير مسبوقة في الأمن الغذائي، ناجمة عن الفقر المدقع والانهيار شبه الكامل لنظام "الاستحقاق"، أي قدرة الأفراد على الحصول على الغذاء". ويوضح أن "المجاعة تُستخدم عادةً لوصف حالات يصل فيها انعدام الحصول على الغذاء إلى مستويات قصوى، وغالبًا ما ترتبط بتعطّل سلاسل الإمداد الغذائي المادية. وهذا لا ينطبق على الحالة اللبنانية، إذ لا تزال سلاسل الإمداد تعمل، فيما تتوافر المنتجات الغذائية على رفوف المتاجر بفضل استيراد الشركات الخاصة السلع من الخارج". لكن عجاقة يشير إلى أن "جوهر الأزمة يكمن في القدرة على شراء الغذاء، لا في توافره، بعدما ارتفعت أسعار التجزئة إلى مستويات تفوق بكثير القدرة الشرائية للمداخيل المحققة بالعملة المحلية، ما حرم شرائح واسعة من المواطنين من تأمين احتياجاتها الغذائية بصورة منتظمة". وفي تفسيره لهذه الظاهرة، يستند عجاقة إلى إطار "الاستحقاق" الذي طوّره الاقتصادي "أمارتيا سن" لفهم أسباب المجاعات. ويقوم هذا المفهوم على أن عجز الأفراد عن شراء الغذاء، نتيجة انهيار قدرتهم على توليد الدخل، سواء عبر الأجور أو الأصول السائلة أو التحويلات الاجتماعية، قد يعرّضهم لخطر المجاعة. ويختلف ذلك عن حالات تنجم أساسًا عن انقطاع الإمدادات الغذائية، كما حصل خلال المجاعة الكبرى في لبنان عام 1915. وفي الحالة اللبنانية الراهنة، يرى عجاقة أن "انهيار القدرة على تأمين الموارد المالية، رغم استمرار توافر الغذاء في الأسواق، أوجد ظروفًا تعيش فيها الأسر الأكثر هشاشة ومحدودة الدخل ما يمكن وصفه بـ"المجاعة المصغّرة" (Micro-famine)، وهي حالة تتفاقم حدتها بفعل الضغوط التضخمية الحادة". يلفت عجاقة إلى أن "قدرة الأسر اللبنانية على تحمّل الأعباء المالية والجسدية وصلت إلى حدودها القصوى، في ظل تراجع المداخيل وارتفاع تكاليف المعيشة. وتُظهر البيانات التي يستند إليها أن 80 % من اللبنانيين عاجزون عن تأمين احتياجاتهم الأساسية بسبب ارتفاع معدلات التضخم، فيما يعاني 22 % من الأطفال من سوء التغذية نتيجة نقص الغذاء، وينخرط 14 % منهم في أشكال مختلفة من عمالة الأطفال". ويشرح أن "الأسر اللبنانية كانت، قبل الأزمة الاقتصادية الراهنة، تعتمد على أربعة مصادر أساسية لامتصاص الصدمات الاقتصادية والتخفيف من تداعياتها، إلا أن هذه الوسائل استُنفدت إلى حد كبير، ما أضعف قدرتها على الصمود في مواجهة الظروف المعيشية القاسية". وتتمثل هذه الوسائل في المدخرات النقدية بالعملات الأجنبية، والتحويلات المالية، والدعم العائلي، والمساعدات الخيرية. ومع تراجع هذه الموارد، باتت الأسر أكثر عرضة لتقلبات الأسعار وتآكل المداخيل، فيما تقلّصت قدرتها على تعويض النقص في احتياجاتها الأساسية. يضيف عجاقة أن "تحويل الأصول الملموسة، كالعقارات والذهب، إلى سيولة نقدية أسهم في استنزاف الموارد التي كانت تشكّل شبكة أمان للأسر. وتزامن ذلك مع تراجع جودة النظام الغذائي، نتيجة استبدال مصادر البروتين بأطعمة نشوية منخفضة التكلفة، ما أدى إلى زيادة الاعتماد على الكربوهيدرات الرخيصة وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ولا سيما لدى الأسر محدودة الدخل". في ما يتعلق بدور التحويلات المالية في الحد من تداعيات الأزمة، يشير عجاقة إلى أن لبنان يتلقى ما يقارب 6 إلى 7 مليارات دولار سنويًا من هذه التحويلات، إلا أن توزيعها لا يلبّي بصورة متوازنة احتياجات مختلف الفئات الاجتماعية، إ