على عمق يقارب خمسة كيلومترات تحت سطح شمال شرقي الأطلسي، ترقد واحدة من أغرب تركات العصر النووي: أكثر من 200 ألف برميل من النفايات المشعة، ألقتها دول أوروبية في البحر خلال النصف الثاني من القرن العشرين. لعقود مضت، كانت هذه البراميل مشكلة منسية. أما في صيف 2026، فقد وصل العلماء إليها، وشاهدوا للمرة الأولى وبوضوح كبير براميل متآكلة وممزقة، وبعضها يفرغ محتوياته مباشرة في قاع المحيط، وسجلوا "نويدات مشعة" مرتبطة بالنفايات بمستويات أعلى من المتوقع محلياً. أما حجم الضرر البيئي الفعلي، فلا يزال قيد التحليل. كان المحيط جزءاً من خطة التخلص من النفايات القصة تعود إلى بدايات الصناعة النووية. بين عامي 1949 و1982، استخدمت دول أوروبية قاع شمال شرقي الأطلسي للتخلص من نفايات منخفضة ومتوسطة النشاط الإشعاعي. وتشير بيانات لجنة OSPAR (مسماة تيمناً باتفاقيات أوسلو وباريس أو Oslo and Paris Conventions) إلى إلقاء أكثر من 150 ألف طن من المواد بنشاط إشعاعي إجمالي قُدّر آنذاك بنحو 42.4 بيتابكريل. وكانت البراميل تُملأ بمواد مشعة ممزوجة بالإسمنت أو البيتومين، ثم تُلقى إلى أعماق تراوح غالباً بين 3000 و5000 متر. التفصيل الأشد إثارة للقلق اليوم هو أن هذه البراميل لم تُصمَّم أصلاً لتبقى محكمة الإغلاق إلى الأبد. تقول وثيقة OSPAR إن الهدف كان "إبقاء المحتويات داخل الحاوية خلال السنوات الأولى، كي تتحلل النظائر قصيرة العمر، على أن يصبح لاحقاً التحرر البطيء للنفايات وانتشارها في البيئة البحرية جزءاً من مفهوم التخلص نفسه". بمعنى آخر، كان الرهان العلمي حينها على التخفيف الهائل الذي توفره مياه المحيط. لم يكن ما أُلقي وقوداً نووياً عالي النشاط، وفق البيانات المتاحة، بل نفايات منخفضة ومتوسطة النشاط: راتنجات ومرشحات ومعدات ومواد ملوثة ومخلفات منشآت نووية وغيرها. لكن "منخفض النشاط" لا يعني قصير العمر بالضرورة؛ فبعض نظائر البلوتونيوم يمكن أن يبقى مشعاً عشرات أو مئات آلاف السنين. التحول الحقيقي بدأ مع مشروع بعثة مسح ورصد موقع التفريغ النووي في المحيط (NODSSUM – Nuclear Ocean Dump Site Survey and Monitoring) الذي يقوده المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) بمشاركة مؤسسة Ifremer البحثية وهيئة الأمان النووي والحماية من الإشعاع الفرنسية ومؤسسات أوروبية أخرى. في حملة عام 2025، استخدم العلماء الروبوت المستقل (UlyX) القادر على الغوص حتى 6000 متر. والمنطقة التاريخية موضع الدراسة هائلة، وتبلغ مساحتها نحو 14,500 كيلومتر مربع، لكن الروبوت رسم بدقة نحو 165 كيلومتراً مربعاً فقط، أي أقل من اثنين في المئة منها. ورغم ذلك، عثر على أكثر من 3500 برميل، ظهرت أعداد منها مصطفة تقريباً وفق مسارات كانت تسلكها سفن الإغراق، وفقاً لمجموعة Connaissance des Énergies التي تعمل على تعزيز الوعي العام بجميع الموضوعات المتعلقة بالطاقة. وجمعت الحملة نحو 5000 ليتر من المياه، ومئات العينات من الرواسب، إضافة إلى أسماك وقشريات، فيما أظهرت الصور تفاوتاً هائلاً في حالة البراميل: بعضها بدا متماسكاً، وبعضها متآكلاً أو مشوهاً أو مفتوحاً، بحسب معهد Thünen Institute البيئي. صورة متخلية للبراميل المشعة بقاع الأطلسي، مولدة بالذكاء الاصطناعي ثم جاءت المرحلة الأخطر في الفترة بين 27 أيار/مايو و28 حزيران/يونيو 2026: نحو 30 عالماً على متن السفينة الفرنسية "Pourquoi Pas?"، و20 غوصة بالغواصة المأهولة "Nautile" إلى أكثر من 4700 متر عمقاً. هذه المرة، لم يكن الهدف النظر من بعيد، بل الوصول إلى محيط البراميل مباشرة وأخذ عينات ملاصقة لها. نعم، بعض البراميل يسرّب مواد مشعة! المشاهد كانت حاسمة: حاويات شديدة التآكل، ومواد خرجت بالفعل من بعضها وانتشرت فوق الرواسب المحيطة. كما اكتشف الفريق أن البراميل نفسها تحولت خلال العقود الماضية إلى ما يشبه "جزر صلبة" وسط القاع الطيني، فاستوطنتها الطحالب والإسفنج والسرطانات وكائنات أخرى، بحسب Connaissance des Énergies. وهنا تكمن المسألة البيئية الأهم: هل صارت المواد المشعة المتسربة متاحة بيولوجياً للكائنات الحية؟ وهل تنتقل من الرواسب إلى الميكروبات، ثم اللافقاريات والأسماك، ومنها إلى البشر من خلال السلسلة الغذائية؟ يقول تقرير نشره الموقع الخاص بمجموعة Connaissance des Énergies: "رصدت أجهزة القياس الميدانية إشارات واضحة لـلكوبالت-60 والنيوبـيوم-94 المرتبطين بالنفايات، إضافة إلى السيزيوم-137 والأميريسيوم-241 بمستويات أعلى من الخلفية المتوقعة في الموقع. وفي الوقت نفسه يشدد العلماء على أن النشاط المقاس بقي محدوداً بما يكفي بحيث لم يتطلب التعامل مع العينات إجراءات استثنائية للحماية من الإشعاع. وهذه نقطة مهمة: وجود تلوث إشعاعي قابل للقياس لا يساوي حتى الآن إثبات كارثة إشعاعية واسعة النطاق". و