في لبنان لا يموت الكبار، بل يُغيَّبون. اخترعنا للموت اسماً مهذّباً، وللقتل صيغةً مبنيّةً للمجهول، ولضحايانا خانةً في السجلّ لا هي حياةٌ ولا هي وفاة؛ ثمّ وقفنا نحرس هذه الخانة ثمانيةً وأربعين عاماً كما يحرس رجلٌ متحفاً ليس فيه شيء. في الخامس والعشرين من آب 1978 نزل في طرابلس الغرب سيّدٌ ذو عمامةٍ سوداء، ومعه شيخٌ اسمه محمد يعقوب وصحافيٌّ اسمه عباس بدر الدين. وفي الحادي والثلاثين من الشهر نفسه انقطع الخبر كما ينقطع سلكٌ في الليل. ثمّ ظهرت في روما حقيبتان وجوازا سفرٍ سافرا وحدهما، ونزل في فندقٍ إيطاليّ رجلٌ يرتدي عمامةً ليست له. هكذا، بحقيبةٍ ركبت الطائرة وصاحبٍ لم يركبها، بدأت أطول قضيةٍ في تاريخ القضاء اللبناني: قضيةٌ بلا متّهمٍ حاضر، وبلا ضحيّةٍ معلنة، وبلا حكم. ونحن، منذ ثمانيةٍ وأربعين عاماً، نسأل في مثل هذا اليوم: أين هو؟ ولعلّ الأوان قد آن لسؤالٍ أقسى وأصدق: لماذا لم يبحث عنه، بجدّيةٍ حقيقية، أحدٌ ممّن ورثوا اسمه؟ كان موسى الصدر، حين ابتلعه الصمت، في الخمسين من عمره. وُلد في قم سنة 1928 لأسرةٍ عامليّة هاجرت من جبل عامل إلى العراق فإيران، فحمل في اسمه جغرافيا كاملة. درس في الحوزة ودرس الحقوق في جامعة طهران، وهذا التفصيل ليس هامشياً: رجل دينٍ تعلّم القانون الوضعيّ، أي تعلّم أنّ للدولة منطقاً لا يُختصر بالفتوى. جاء إلى صور سنة 1959 وارثاً منبر السيد عبد الحسين شرف الدين، ونال الجنسية اللبنانية سنة 1963. وفي 1969 ترأّس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وهي اللحظة المفصلية التي يمرّ عليها الخطباء مرور الكرام وهي مفتاح الرجل كلّه: لم يؤسّس تنظيماً موازياً للدولة، بل مؤسسةً بقانونٍ من الجمهورية اللبنانية، لها نظامٌ داخليّ وانتخابات ومحاضر. أراد لطائفته اعترافاً من الدولة، لا اعترافاً بديلاً منها. ثمّ أطلق سنة 1974 «حركة المحرومين» من بعلبك، وفي 1975 «أفواج المقاومة اللبنانية». وفي السنة نفسها صام في مسجد العاملية ليوقف حرباً لم تتوقّف، ووعظ من فوق منبر كنيسة الكبوشيين في زمن الصوم المسيحي، وقال إنّ لبنان وطنٌ نهائيٌّ لأبنائه جميعاً قبل ثلاثة عشر عاماً من الطائف. وكان يقول إنّ إسرائيل شرٌّ مطلق، ويقول في الوقت عينه إنّ الجنوب ليس ساحةً يستعيرها الآخرون. الرجل الذي يُختصر اليوم بشعار، كان في الحقيقة معادلةً من طرفين، ومَن أخذ منها طرفاً واحداً فقد زوّرها. من هنا تحديداً يبدأ الجواب عن سؤال ولاية الفقيه، لا من التصريحات. حين ألقى الخميني دروسه في النجف مطلع السبعينيات مؤسّساً لنظرية حكم الفقيه، كان الصدر يبني في بيروت مؤسسةً طائفيةً داخل قانون الدولة. لم يتبنَّ النظرية، ولم يستشهد بها، ولم يقم عليها بناءً واحداً. مدرسته كانت مدرسة جبل عامل الإصلاحية — محسن الأمين وشرف الدين — تلك التي رأت في الاجتهاد الشيعي طريقاً إلى المواطنة لا طريقاً إلى الإمارة. والمسألة ليست ذوقاً فقهياً بل هندسة: ولاية الفقيه تنقل السيادة من الداخل إلى الخارج، ومن العقد الوطني إلى الولاء المذهبي العابر للحدود. ورجلٌ أنفق عشرين سنةً يقنع الموارنة والسنّة والدروز بأنّ الشيعة ليسوا خطراً على الصيغة، لم يكن ليختم مشروعه بتسليم قرار طائفته إلى فقيهٍ في قم. لم يكن ذلك ليكون تناقضاً في السياسة فحسب، بل انتحاراً في المنطق. غير أنّ أمتن دليلٍ على ذلك ليس في أقواله، بل في ما جرى لحركته بعده. لم ترث إيران «أمل»، بل اضطرّت إلى شقّها. في 1982 انشقّ حسين الموسوي مؤسِّساً «أمل الإسلامية» احتجاجاً على أن تجلس حركة الصدر إلى طاولة الدولة، وفي البقاع ولد من ذلك الانشقاق، بحرسٍ ثوريٍّ وافد، حزبٌ جديد. ثمّ اقتتل الوريثان بين 1988 و1990 اقتتالاً دموياً لم يوقفه إلاّ تحكيمٌ سوريّ ــ إيرانيّ. هذه هي الشهادة التاريخية الحاسمة: مشروع الصدر لم يكن صالحاً للاستعمال في المشروع الإيراني، فتُرك جانباً وبُني غيره. ومَن اضطرّ إلى محاربة ورثته، ماذا كان سيصنع بالأصل نفسه؟ يضاف إلى ذلك أنّ دائرة الصدر الإيرانية كلّها — مصطفى شمران، صادق قطب زاده، إبراهيم يزدي، ومَن دار في فلكهم من التيار الحرّ — كانت تحديداً الجناح الذي سحقته الثورة بعد انتصارها: هذا مات، وذاك أُعدم، وثالثهم أُقصي. لو بقي الصدر حيّاً لكان، بحكم صحبته ومدرسته، على الضفّة الخاسرة من الحرب الأهلية الإيرانية الداخلية. وقد غاب، بمصادفةٍ يصعب أن تُقنع مؤرّخاً، قبل خمسة أشهر ونصف من انتصار تلك الثورة. فهل كان سيكون في محور الممانعة؟ الجواب الأمين هو أنّه كان سيكون من المقاومة وضدّ المحور. الفارق بينهما ليس لفظياً: المقاومة وظيفةٌ وطنية تنتهي بانتهاء سببها وتخضع لقرار الدولة، أمّا المحور فسيادةٌ عابرةٌ للحدود تستأجر الجغرافيا والدم معاً. الرجل الذي خاصم منظمة التحرير الفلسطينية لأنّها جعلت الجنوب منصّةً لقرارٍ يُتّخذ في مكانٍ آخر، لم