تتزايد المؤشرات إلى أن كلفة الحرب في أوكرانيا بدأت تضغط بقوة على المالية الروسية، وسط تقارير غربية تتحدث عن أزمة سيولة دفعت موسكو إلى اعتماد إجراءات تقشّف واسعة، فيما يرفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حتى الآن المسّ بالإنفاق العسكري، رغم تحذيرات من أن استمرار المسار الحالي قد يضع الاقتصاد الروسي أمام ضغوط أكثر خطورة. وبحسب تقرير نشره موقع "mako" الإسرائيلي، نقلًا عن وسائل إعلام غربية، فإن نفقات الحرب الروسية كادت تستنزف خزينة الدولة خلال الربيع، في وقت لا تبدو فيه نهاية الحرب في أوكرانيا قريبة، بينما أمر بوتين بخفض الإنفاق في مختلف القطاعات باستثناء النفقات العسكرية. ونقلت شبكة "بلومبرغ"، استنادًا إلى مصادر مطلعة على التفاصيل، أن وزير المالية الروسي حذّر رئيس الوزراء في نيسان من أن الحكومة قد لا تمتلك ما يكفي من الأموال لتنفيذ جميع المدفوعات المقررة في مواعيدها. وبحسب التقرير، جاء ذلك في ظل عجز بلغ 65.3 مليار دولار في حساب الخزينة الروسية، ما دفع الحكومة في موسكو إلى اعتماد ما وُصف بـ"نظام تقشّف"، جرى في إطاره خفض الإنفاق غير العسكري بنسبة 35%. وبلغ العجز الفيدرالي الروسي بين كانون الثاني ونيسان 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يقارب ضعف مستواه خلال الفترة نفسها من العام السابق، وفق بيانات وزارة المالية التي نشرتها "فوربس روسيا". وكانت "بلومبرغ" قد أفادت بشكل منفصل في حزيران بأن مسؤولين في وزارة المالية والبنك المركزي حذّروا بوتين من أن الإنفاق المرتبط بالحرب يتحرك في مسار خطير. وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة "فايننشال تايمز" أن التجاوزات في موازنات الجيش والأمن قد تصل خلال هذا العام إلى ما بين 23 و47 مليار دولار. ورغم هذه التحذيرات، أفادت التقارير بأن بوتين رفض خفض النفقات العسكرية، وأمر بإجراء التخفيضات في قطاعات أخرى. وتشير وسائل الإعلام الأجنبية إلى صعوبة العثور داخل روسيا على تأكيد رسمي للتفاصيل المتعلقة بأزمة السيولة، إذ لم تتطرق وسائل الإعلام الحكومية الروسية أو المتحدثون باسم الكرملين علنًا إلى تقرير "بلومبرغ". وقال مسؤول روسي رفيع المستوى لقناة تلفزيونية حكومية: "لا توجد أي مشاكل في الموازنة، وهي مدعومة بالكامل بالموارد". وكان المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف قد أقر في وقت سابق بوجود عجز، لكنه وصفه بأنه "صعوبات جارية" يمكن التعامل معها وإدارتها. وتأتي هذه التقارير فيما تواجه روسيا تحديات متزايدة على خلفية الحرب في أوكرانيا، بدءًا من المشكلات الاقتصادية، وصولًا إلى الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى التي باتت أكثر جرأة ضد مراكز لوجستية ومنشآت عسكرية داخل الأراضي الروسية. وفي ظل هذه التطورات، أثارت زيارة سرية أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه" جون راتكليف إلى موسكو هذا الأسبوع مزيدًا من التكهنات. وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن جزءًا على الأقل من الرسالة التي حملها راتكليف كان يهدف إلى تقديم صورة واضحة ومن دون تصفية عن الوضع الصعب الذي تواجهه روسيا، سواء في ساحة المعركة أو على الصعيد الداخلي. وعلى الرغم من ذلك، يواصل الكرملين، حتى الآن، تعميق نموذج "اقتصاد الحرب". فبدل خفض النفقات العسكرية التي ارتفعت بصورة حادة، يجري تنفيذ التخفيضات الأكثر إيلامًا في بنود أخرى من الموازنة. وفي الوقت نفسه، تبدو الحرب مرشحة للاستمرار، إذ يرفض القادة الروس بصورة متكررة فكرة التوصل إلى سلام عبر مفاوضات لا تستجيب للشروط القصوى التي تطرحها موسكو. ومن المتوقع إجراء انتخابات برلمانية في أيلول، إلا أن خبراء غربيين يرون أنه لا توجد مؤشرات إلى أنها ستُحدث تغييرًا كبيرًا في المسار الحالي. ميدانيًا، قُتل شخصان وأصيب 16 آخرون مساء الأحد في هجوم صاروخي استهدف مدينة بيلغورود الروسية القريبة من الحدود مع أوكرانيا، وفق ما أعلنه القائم بأعمال رئيس بلدية المدينة عبر تطبيق "تلغرام". وبحسب المسؤول الروسي، قُتل الشخصان بعدما قصفت أوكرانيا منشأة تجارية داخل المدينة، فيما أدت الضربة أيضًا إلى اندلاع حرائق في 7 مستودعات في بيلغورود. ونقلت وكالة "رويترز" أن كييف تحاول انتزاع زمام المبادرة من موسكو، من بين وسائل أخرى، عبر تكثيف هجمات الطائرات المسيّرة بعيدة المدى ضد البنى التحتية النفطية الروسية، والصناعات الدفاعية، والمنظومات اللوجستية. وفي المقابل، تواجه أوكرانيا نقصًا حادًا في القوى البشرية وفي منظومات الدفاع الجوي اللازمة للتصدي للهجمات الجوية الروسية على المدن الأوكرانية. وبين ضغوط الخزينة واستمرار العمليات العسكرية ورفض تقليص الإنفاق الدفاعي، تكشف الصورة التي ترسمها التقارير الغربية أن موسكو اختارت حتى الآن تحميل القطاعات المدنية كلفة التقشّف، فيما تبقى الحرب البند الذي لا يريد بوتين وضعه تحت مقصلة التخفيضات.