هناك جملة واحدة قد تكون أكثر خطورة على حزب الله من مئات البيانات الإسرائيلية والخطابات الأميركية: «إسرائيل ربحت الجغرافيا، وحزب الله يخسر الجغرافيا». قالها حبيب فياض، وهو ليس خصماً سياسياً لحزب الله، بل من بيئته الفكرية والسياسية. والأخطر أنه لم يكتفِ بالقول إن إسرائيل ربحت الجغرافيا، بل أضاف أن الجغرافيا هي العنصر الأهم. هنا تحديداً يجب أن يتوقف كل خطاب «الانتصار» الذي بناه حزب الله طوال سنوات. لأن الجغرافيا لا تخضع للدعاية. والأرض لا تعرف البيانات الحزبية. إما أن تملكها الدولة وتفرض سيادتها عليها، أو أن تكون هناك قوة أخرى تفرض وقائعها فوقها. وهذه هي الحقيقة التي حاول حزب الله طويلاً الهروب منها. منذ سنوات، اعتاد حسن نصرالله، ثم خليفته نعيم قاسم، تقديم معادلة بسيطة لجمهور الحزب: طالما أن إسرائيل تتلقى ضربات، وطالما أن مقاتلي الحزب يقاومون، فإن الحزب منتصر. لكن ماذا لو كانت هذه المعادلة خاطئة؟ ماذا لو كان الانتصار الحقيقي لا يُقاس بعدد الصواريخ التي أطلقتها، بل بالنتيجة التي بقيت على الأرض؟ ماذا لو كان الطرف الذي يستطيع تغيير الواقع الجغرافي هو الذي يملك، في نهاية المطاف، ورقة أقوى؟ هنا تنهار واحدة من أهم ركائز خطاب «المقاومة». فقد تستطيع أن تقول إنك أوجعت إسرائيل. وقد تستطيع أن تقول إنك كبّدت جيشها خسائر. لكن إذا انتهت الحرب وأصبحت إسرائيل قادرة على فرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة، بينما لبنان يدفع ثمن الحرب من أرضه وشعبه واقتصاده، فأي انتصار هذا؟ من نصرالله إلى نعيم قاسم: ماذا بقي من الوعد؟ لسنوات، لم يكن خطاب حزب الله يقول للبنانيين فقط إنه قادر على مقاومة إسرائيل. كان يقول شيئاً أكبر بكثير: إن سلاحه هو الذي يحمي لبنان. وكانت المعادلة واضحة: السلاح خارج الدولة هو مصدر القوة، ووجود حزب الله المسلح هو الضمانة لمنع إسرائيل من الاعتداء. حسناً، فلنضع هذه النظرية أمام الاختبار الحقيقي. إذا كانت إسرائيل اليوم قادرة على فرض واقع جغرافي جديد، فماذا فعل السلاح الذي قيل إنه سيحمي الأرض؟ وإذا كان الحزب نفسه يعترف، عبر أحد أبرز المحللين في بيئته، بأنه يخسر الجغرافيا، فأين ذهب الوعد القديم بأن «المقاومة» هي التي تحمي الأرض؟ هنا لا تعود المسألة خلافاً بين حزب الله وخصومه. الوعد كان حماية الأرض. والنتيجة خسارة في الجغرافيا. فهل يملك حزب الله الشجاعة السياسية ليعيد النظر في المشروع كله؟ قد يخرج الحزب ليقول إن إسرائيل هي المعتدية، وإنها تتحمل مسؤولية الدمار والتهجير والانتهاكات. لكن السؤال اللبناني أكثر قسوة: من أعطى إسرائيل الذريعة والفرصة لأن تصبح الحرب على أرض لبنان؟ ومن اتخذ قرار الدخول في المواجهة؟ ومن قرر أن لبنان يجب أن يكون جزءاً من حرب إقليمية؟ حزب الله لا يستطيع أن يريد الدولة عندما يحتاج إليها، وأن يلغيها عندما يتعلق الأمر بقرار الحرب والسلم. لا يستطيع أن يشارك في الحكومة، ويعارض الحكومة، ويحتفظ بسلاح مستقل عنها، ثم يطالب اللبنانيين بتحمل نتائج قراراته باعتبارها «قراراً وطنياً». سقوط فكرة «المقاومة» يبدأ من الجغرافيا المشكلة الحقيقية التي يواجهها حزب الله اليوم ليست أنه خسر معركة عسكرية. المشكلة أن فكرة المقاومة نفسها بدأت تفقد مبررها السياسي عندما يصبح السلاح عاجزاً عن منع الخسارة الجغرافية التي يفترض أنه وجد أصلاً لمنعها. وهنا يجب الفصل بين مقاومة الاحتلال كحق مبدئي وبين تحويل المقاومة إلى مؤسسة عسكرية وسياسية دائمة فوق الدولة. لبنان لا يحتاج إلى احتكار حزب أو طائفة لمفهوم المقاومة. لبنان يحتاج إلى دولة تستطيع الدفاع عن أرضه. فحين تصبح المقاومة دولة داخل الدولة، يصبح السؤال مشروعاً: من يحاسبها؟ التاريخ لا يتذكر عدد الدبابات في عام 1948، لم يقل التاريخ إن إسرائيل «خسرت عدداً كبيراً من الدبابات»، ثم أغلق الصفحة. الذي بقي هو أنها فرضت واقعاً جغرافياً وسياسياً جديداً. قد تخسر دولة معركة وتربح الحرب. وقد تربح قوة مسلحة معارك تكتيكية وتخسر النتيجة الاستراتيجية. ولهذا فإن الاحتفال بخسائر العدو لا يكفي. ومن استطاع تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية وجغرافية؟ إذا كانت الإجابة أن إسرائيل ربحت الجغرافيا، فإن على حزب الله أن يتوقف عن بيع اللبنانيين وهماً اسمه «النصر الدائم». حزب الله لا يستطيع أن يستمر في التعامل مع لبنان باعتباره ساحة متقدمة في مشروع إقليمي، ثم يطلب من اللبنانيين أن يدفعوا الثمن باسم السيادة اللبنانية. لبنان ليس ولاية في مشروع إيراني. وليس ورقة تفاوض بين طهران وواشنطن. وليس جبهة مفتوحة كلما احتاج محور إقليمي إلى استخدامها. لبنان دولة لها دستور ومؤسسات وجيش وحدود وشعب. ومن حق اللبنانيين أن يعرفوا لماذا يُطلب منهم دائماً دفع ثمن حروب لم يقرروا خوضها. اليوم، لا يكفي نعيم