تكتسب مبادرة بنك الكويت الوطني تخصيص مليون دينار لترميم المنافذ البرية دلالة تتجاوز قيمتها المالية، فالبنك يساهم في تطوير مرفق عام لا يحقق له عائداً مباشراً، ويضع جزءاً من موارده في مشروع ينتفع به المجتمع والدولة. غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بقيمة المبادرة وحدها وإنما بمصيرها: هل تبقى تبرعاً منفرداً، أم تتحول إلى نموذج لعلاقة أكثر توازناً بين القطاع الخاص والمجتمع؟ هذا السؤال يجد جذوره في التجربة الكويتية نفسها، فقبل أن تتولى الدولة الحديثة بناء المرافق العامة، ساهمت القوى الاجتماعية في تمويل جانب من هذه الاحتياجات، إذ قامت المدرسة المباركية على مساهمات أهلية، ونشأت المكتبة الأهلية بجهود المثقفين وتبرعاتهم، بينما حوّل الوقف الكويتي القديم العقارات والآبار إلى منافع مستمرة للفقراء والمساجد والتعليم، ويمكن رصد الكثير منها في جولة بين ارجاء سوق المباركية وتصفح أسماء الأوقاف. ويمكن القول أن العطاء آنذاك كان وسيلة لإنشاء أصول ومؤسسات تستمر فائدتها بعد انتهاء التبرع، وهي تجسيد عملي لفكرة "الصدقة الجارية". ففي "سنة الهيلق" عام 1868 وحين ضربت المجاعة المنطقة، فتح المرحوم عبدالنبي معرفي مخازنه لإغاثة الناس، وبرز دوره من ضمن قائمة من تجار الكويت الكبار الذين تحركوا لإنقاذ المجتمع، مثل يوسف البدر ويوسف الصبيح اللذين كانا يعدّان موائد الطعام للمحتاحين. وتوثق المراجع التاريخية مبادرات أحد الاثرياء المعروفين وهو المرحوم هلال فجحان المطيري، الذي ساهم الى حانب آخرين في تأسيس شركة لتقطير المياه، ودعم التعليم في المدرسة المباركية، وموّل بناء السور الثالث، وساعد بعضاً من أسر قتلى معركة الجهراء. كما سخّر المرحوم حسين مكي جمعة جزءاً من أمواله لإقامة أهم مركز لعلاج مرضى السرطان وأشهرها في المنطقة. وامتدت مساهمات المرحوم عبدالعزيز البابطين إلى بناء المرافق الصحية والثقافية ومكتبة للشعر العربي، وحملت العديد من المبادرات أسماء أصحابها بعدما تحولت ثرواتهم إلى مرافق يستخدمها الناس يومياً. تكشف هذه النماذج أن عدداً من رجال الاعمال لم ينظروا إلى الثروة باعتبارها ملكية خاصة تنتهي عند صاحبها، وانما عرفوا مبكراً إمكان تحويل جزء منها إلى أصل عام مستمر، غير أن هذه الثقافة اختلفت اليوم، لأن مركز الثقل الاقتصادي انتقل من الأفراد إلى الشركات، وأصبحت قدرة الشركات على التأثير في المجتمع أكبر كما أصبحت مسؤوليتها أكثر تعقيداً. فالشركات لا تعمل في فراغ وانما تنمو داخل بيئة وفرتها الدولة والمجتمع عبر الطرق والموانئ والأراضي والأمن والتشريعات والسوق، لذلك لا ينبغي أن يبدأ النقاش من سؤال: كم ستتبرع الشركة؟ وانما من السؤال عن نصيب المجتمع من القيمة التي تُنتج داخل بيئته؟ هذا بطبيعة الحال يتطلب الانتقال من منطق التبرع الموقت إلى منطق الشراكة القابلة للقياس، فالمسؤولية الاجتماعية لا تختزل برعاية فعالية أو تسليم شيك، وانما تظهر في دعم الصحة والتعليم والشباب، واسناد العوائل المنكوبة والتضامن في حماية المجتمع وتحجيم جشع التجار . ولكي تصبح مثل هذه المبادرات نموذجاً مستداماً، لا بد من إنشاء إطارٍ وطني يوثق مساهمات الشركات، ويحدد أهداف كل مشروع وتكلفته ومدته وعدد المستفيدين منه ونسبة إنجازه، وعندها ينتقل التنافس من حجم الإعلانات إلى حجم الأثر الاجتماعي والانساني، وإلى ما ينجزه كل طرف في حياة الناس، وفي التضامن للحد من غلاء الأسعار . فالسؤال الحقيقي الذي يتبغي أن نطرحه ليس من تبرع أكثر؟ وإنما من بنى أكثر وعالج أكثر وعلّم أكثر وترك أثراً مستمراً "صدقة جارية" بعد انتهاء الحملة. فالتبرع ينتهي عندما ينتهي المال، أما الشراكة الحقيقية فتبدأ عندما يتحول المال إلى قيمة عامة قابلة للقياس ويبقى أثرها في حياة الناس .