تُظهر مراجعة أجرتها صحيفة "نيويورك تايمز" أنّ 48 قرية وبلدة من أصل نحو 60 في المنطقة التي تحتلها إسرائيل جنوب لبنان دُمّرت إلى حدّ كبير، في ظل عمليات هدم واسعة استمرت حتى بعد وقف إطلاق النار. وبحسب تحليل الصحيفة لصور الأقمار الاصطناعية ومقاطع الفيديو، لم يقتصر الدمار على المنازل والبنى التحتية، بل شمل الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون، فيما أتت الحرائق على نحو 16,500 فدان من الأراضي، واندلع أكثر من 200 حريق بين نيسان وأيلول. وفي موازاة الهدم، رصدت الصحيفة إنشاء إسرائيل ثلاثة مواقع عسكرية إضافية على الأقل منذ وقف إطلاق النار، إلى جانب طرق وجسور جديدة تربط المواقع العسكرية بالحدود، فيما تشير اليونيفيل إلى وجود أكثر من 20 موقعاً عسكرياً إسرائيلياً في المنطقة العازلة. وتعتبر هذه المؤشرات دليلاً على احتمال ترسيخ وجود عسكري إسرائيلي طويل الأمد. ويحذّر خبراء قانونيون من أنّ الهدم الواسع للممتلكات المدنية ومنع نحو 270 ألف نازح من العودة قد يشكّلان انتهاكات للقانون الدولي، وقد يرقى الأمر إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ويعتبر التقرير أنّ حجم الدمار وتدمير الأراضي الزراعية، وإنشاء المواقع العسكرية، يضع مستقبل عودة السكان وإعادة إعمار الجنوب أمام تحديات كبيرة. خريطة الدمار والمخاوف الديموغرافية وبحسب الصحيفة فقد "أثار حجم عمليات الهدم الإسرائيلية الممنهجة مخاوف لدى كثير من اللبنانيين من أن إسرائيل تسعى إلى إفراغ هذه المنطقة من سكانها بصورة دائمة. بينما يقول مسؤولون إسرائيليون إنهم دمّروا القرى بهدف القضاء على المنشآت العسكرية التابعة لحزب الله، بما فيها الأنفاق ومستودعات الأسلحة، ومنع الحزب من العودة إلى المنطقة الحدودية". وتنقل الصحيفة ما هو أخطر مشيرة إلى أنّ "أثر الدمار لم يقتصر على إعادة تشكيل المشهد الجغرافي، بل امتد إلى التركيبة الدينية لسكان جنوب لبنان. فجميع القرى التي باتت غير صالحة للسكن تقريباً كانت تقطنها غالبية من المسلمين الشيعة، الطائفة التي يستمد منها حزب الله القسم الأكبر من دعمه. وقد غادر سكان هذه القرى خلال القتال، بعدما أصدرت إسرائيل تحذيرات بالإخلاء شملت أجزاء واسعة من جنوب لبنان، ولم يتمكنوا من العودة منذ إعلان إسرائيل المنطقة منطقة أمنية". ويتابع التقرير: "أما القرى القليلة التي نجت من أسوأ مظاهر الدمار، فكانت تقطنها غالبية من المسيحيين والدروز والمسلمين السنّة. وقد تلقّى كثير من سكان هذه القرى تطمينات من الجيش الإسرائيلي بأن قراهم لن تكون أهدافاً خلال الحرب، وتمكّنوا من البقاء في منازلهم، رغم وقوعها اليوم ضمن المنطقة المحتلة". وينقل: "ويتجلى هذا التباين بوضوح في المصير المختلف لبلدتي بيت ليف ودبل، اللتين لا تفصل بينهما سوى ميلين. فقد سُوّيت بلدة بيت ليف، ذات الغالبية الشيعية، بالأرض تقريباً منذ وقف إطلاق النار، في حين لا تزال بلدة دبل المسيحية قائمة إلى حد كبير. ويقول خبراء إن حجم الدمار في جنوب لبنان يفوق ما خلّفته الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاماً، وعدة اجتياحات أجنبية، وحربين سابقتين بين إسرائيل وحزب الله". وحلّلت "نيويورك تايمز" صور الأقمار الاصطناعية قبل وقف إطلاق النار وبعده، وتحقّقت من صور ومقاطع فيديو من المناطق الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، وأجرت مقابلات مع مسؤولين سياسيين وعسكريين لبنانيين، وقيادات محلية، وأعضاء في الدفاع المدني، وخبراء قانونيين، ومنظمات حقوقية وباحثين في النزاعات. وصنّفت الصحيفة البلدات على أنها مدمّرة إلى حد كبير عندما يكون مركزها قد سُوّي بالأرض تقريباً، وغالباً ما تكون المناطق المحيطة به قد تعرّضت للدمار أيضاً. وتُظهر مقاطع الفيديو والصور أن الجيش الإسرائيلي استخدم، في بعض الحالات، طائرات مسيّرة لوضع متفجرات. وتبدو مقاطع فيديو تحقّقت "نيويورك تايمز" من صحتها وكأنها تُظهر الجيش الإسرائيلي يستخدم طائرات مسيّرة لوضع ما يُشتبه في أنها متفجرات داخل مدرسة رسمية في المنصوري، قبل وقوع انفجار في الموقع نفسه. وقد حوّلت عمليات الهدم مشهداً طبيعياً كان يضم بساتين الزيتون ومزارع التبغ وقرى تعود إلى قرون مضت، إلى أرض قاحلة مغطاة بالركام المفتّت والرماد. وبحسب الصحيفة: "في بيت ياحون، دُمّر نحو اثني عشر مبنى قبل وقف إطلاق النار في نيسان. وبعد ثلاثة أشهر، بدا أن معظم المباني في وسط البلدة قد دُمّرت. وزار مصطفى مكي، رئيس بلدية بيت ياحون، بلدته في آب برفقة جنود من الجيش اللبناني. وقال إنه، لدى دخوله إليها للمرة الأولى منذ مغادرته مع اندلاع الحرب، شعر بأنه فقد القدرة على التعرّف إلى المكان. اختفى المسجد، ولم تعد خزانات المياه موجودة. وحاول تحديد موقع منزل جاره السابق، أو ملعب كرة القدم الذي اعتاد تلامذة المدارس اللعب فيه في ساعات ما بعد الظهر، لكنه لم يتمكن من ذلك. أما المقبرة،