محاكمة السفيرة … أم محاكمة قرار الدولة؟ 15 تشرين الأول 2026 · 12:17 ص قراءة في دقيقتين حجم الخط ما يُثار حول السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوّض يتحاوز مجرد واقعة قضائية، ليكون مهزلة سياسية ودبلوماسية تسيء إلى صورة لبنان، وتضرب صدقية دولته في اللحظة التي تخوض فيها واحدة من أدق المفاوضات وأكثرها تعقيداً. صحيح أن الإجراء المتخذ هو إحالة الإخبار المقدَّم ضد السفيرة إلى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية لدراسته، وليس ادعاءً قضائياً عليها حتى الآن. لكن مجرد وضع دبلوماسية رفيعة في دائرة الاشتباه، لأنها تواصلت مع السفير الإسرائيلي في واشنطن ضمن مناخ تفاوضي رعته الولايات المتحدة، وكرّسته السلطة التنفيذية اللبنانية، يشكّل سابقة خطيرة، ورسالة شديدة السلبية إلى الداخل والخارج. خاصة وأن مصدر قضائي موثوق أكد بأن قانون مقاطعة إسرائيل لا ينطبق على السفيرة، لأنها انخرطت في المفاوضات بتكليف مباشر من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. السفيرة معوّض لم تتصرّف بوصفها فرداً يعقد اتصالات شخصية سرّية، ولم تنتحل صفة لا تملكها، بل مثّلت الدولة اللبنانية في مفاوضات علنية جرت برعاية أميركية، وحضرها طرف ثالث وتابع تفاصيلها. كما سبق لها أن وقّعت، باسم لبنان، اتفاق الإطار الثلاثي في وزارة الخارجية الأميركية. فكيف يمكن للدولة أن تكلّف دبلوماسياً بالتفاوض، ثم تتركه عرضة لإخبار يتهمه بالخيانة، أو التطبيع بسبب تنفيذه هذا التكليف؟ المسألة تتجاوز حماية سفيرة أو الدفاع عن موظفة عامة. إنها تتصل بهيبة قرارات مجلس الوزراء، وبصلاحية السلطة التنفيذية في إدارة السياسة الخارجية، وبقدرة لبنان على التحدث بصوت واحد. فإذا أصبحت قرارات رئيس الجمهورية والتعليمات الرسمية مادة للملاحقة، فمن يجرؤ بعد اليوم على حمل رسالة الدولة أو توقيع اتفاق باسمها؟. المفارقة المحزنة أن هذه العاصفة تندلع عشية الجولة المرتقبة من المفاوضات في تامبا بولاية فلوريدا، والمتداول عقدها في العشرين من تشرين الحالي، بمشاركة السفيرة معوّض ضمن الوفد اللبناني. فكيف تدخل المفاوِضة إلى القاعة وهي واقعة تحت ضغط إخبار قضائي في بلدها؟ وأي قوة تفاوضية تبقى لوفد يعرف أعضاؤه أن خصوم المسار السياسي ينتظرونهم عند عودتهم باتهامات التخوين؟ المطلوب معالجة قضائية سريعة تحسم افتقار الإخبار إلى السند القانوني، وموقف سياسي واضح يحمي الموظفين الذين ينفذون قرارات الشرعية. فالمساس بالسفيرة معوّض ليس استهدافاً لشخصها وحده، بل طعنٌ بقرار الدولة وإرباكٌ لمفاوضها وإهداءٌ مجاني لإسرائيل ورقة ضغط لم تكن تملكها. عندما تُحاكَم الدبلوماسية، ويُخوَّن المفاوض المكلّف رسمياً، لا يعود السؤال: ماذا فعلت السفيرة؟ بل يصبح: من يريد إسقاط قرار الدولة، ومن المستفيد من إسكات صوتها على طاولة المفاوضات؟